هبات الخردة... حين يصبح الدعم مرادفاً للتخلّص من الفائض، وعبئاً على لبنان 11 أيلول 2026 · 12:57 ص 4 دقائق قراءة حجم الخط في بلد يصارع أزماته المتراكمة، من الانهيار الاقتصادي إلى التحديات الأمنية والخدماتية، يُقدَّم الدعم الخارجي أحياناً على أنه شريان حياة. لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو: ما الذي يُرسل إلى لبنان فعلاً؟ وهل كل ما يصل تحت عنوان «هبة» هو دعم حقيقي، أم أن جزءاً منه مجرد معدات لم تعد ضرورية لأصحابها؟ في 29 آب 2026، استلم الجيش اللبناني في مرفأ بيروت الدفعة الثانية من الهبة اليونانية: 13 ناقلة جند مدرعة من طراز M113 و10 شاحنات عسكرية من طراز Steyr 680M، إضافة إلى مواد وقطع غيار. وكانت الدفعة الأولى، بالمواصفات نفسها، قد وصلت في كانون الثاني. لا خلاف على أن الجيش اللبناني يحتاج إلى الدعم، ولا على أن أي آلية يمكن أن تكون مفيدة إذا كانت صالحة للعمل وتلبي حاجة فعلية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح مجرد وصول المعدات مناسبة للاحتفال، من دون نقاش جدّي في عمرها وكلفة تشغيلها ومدى ملاءمتها لحاجات المؤسسة العسكرية. فالـSteyr 680M ليست شاحنة حديثة. إنها تصميم نمساوي قديم استمر إنتاجه لعقود، فيما تولت اليونان تصنيع نسخ منه بترخيص ابتداءً من السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات تقريباً. وتطرح آليات بهذا العمر سؤالاً مشروعاً: هل كلفة تشغيلها وصيانتها تتناسب مع القيمة التي تضيفها لجيش يحتاج إلى تحديث قدراته؟ وهل جرى احتساب دورة حياتها وكلفة قطع الغيار والوقود، أم أن كلمة «هبة» أنهت النقاش قبل أن يبدأ؟ كما أن الجيش يحتفظ بأسطول كبير من سيارات الهامر الأميركية، كثير منها وصل عبر برامج مساعدات سابقة كفائض مستعمل من المخزون الأميركي. هذه المركبات متعددة المهام أسهمت في الحركة اللوجستية، لكنها في النهاية آليات قديمة نسبياً تتطلب صيانة مستمرة وقطع غيار قد يصعب تأمينها مع مرور الزمن، وتستهلك موارد في وقت يحتاج فيه الجيش إلى تحديث حقيقي لا إلى توسيع أسطول مستهلك. ولا تقتصر القصة على المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين. ففي أيار 2022، وصلت إلى لبنان 50 حافلة نقل عام فرنسية مستعملة خرجت من أسطول النقل الباريسي، كهبة لدعم القطاع. لكن بعد أشهر، كان تشغيل عدد محدد منها يتعثر ويتوقف لفترات طويلة. المفارقة لم تكن في الحصول على الحافلات، بل في أن الهبة التي يفترض أن تخفف أزمة النقل تحتاج هي نفسها إلى تمويل للتشغيل والصيانة وإدارة وشبكة خطوط. وعندما تغيب هذه الموازنات، تتحوّل المعدات المجانية إلى أصل يحتاج إلى أموال عامة كي يبقى صالحاً للاستخدام. الظاهرة تتكرر في القطاع الصحي أيضاً. فخلال السنوات الأخيرة، تلقّت مستشفيات حكومية ومراكز صحية هبات من أجهزة التنفس الصناعي والمعدات الطبية المستعملة. ورغم النوايا المعلنة لدعم القطاع الطبي المتهالك، تكشّف لاحقاً أن عدداً من هذه الأجهزة يتبع طرازات قديمة توقف تصنيع قطع غيارها، أو تتطلب مستهلكات طبية غير متوفرة في السوق المحلي. ونتيجة لذلك، انتهى مطاف بعض هذه الهبات في المستودعات، لتحوّل من «إنقاذ طبي» إلى عبء تخزين ونفايات إلكترونية. وعلى مستوى البلديات وفرق الاستجابة الأولى، تلقّت مراكز عدة في الدفاع المدني وفوج الإطفاء سيارات إطفاء وسلم هيدروليكي مستعملة كـ «هبات» من بلديات أوروبية. غير أن الشروط الفنية لهذه الآليات (مثل نظام المقود والتوصيلات الهيدروليكية ومقاييس المضخات) غالباً ما لا تتوافق مع المعايير المستعملة محلياً، فضلاً عن ارتفاع كلفة صيانتها الدوريّة مقارنة بإنتاجيتها، مما جعل بعضها يركن جانباً دون أن يشارك في إطفاء حريق واحد. تتكرر الصورة في مراسيم قبول الهبات في الجريدة الرسمية، لتكشف، من حين إلى آخر، عن سيارات وآليات ومولدات كهربائية مستعملة تصل إلى الوزارات والإدارات العامة. والمشكلة ليست في كون الآليات مستعملة بحد ذاته؛ بل في غياب معيار واضح وشفاف يجيب عن سؤال بسيط: هل تكلفة تشغيل هذه الهبة وصيانتها طوال عمرها الافتراضي أقل فعلاً من قيمتها الاقتصادية والخدمية؟ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في دولة تعاني أصلاً نقصاً حادّاً في موازنات التشغيل والصيانة. الحصول على آلية أو جهاز مجاناً لا يعني أن تشغيله مجاني. الوقود ليس مجانياً، وقطع الغيار ليست مجانية، والصيانة ليست مجانية، والفنيون ليسوا مجانيين. بل إن المعدات القديمة تفرض إنفاقاً متكرراً يجعل «الهبة» أكثر كلفة بكثير مما يُظن. المشكلة، إذاً، ليست في المساعدات الخارجية بحد ذاتها؛ فلبنان بحاجة ماسّة للدعم. المشكلة تكمن في غياب سياسة استلام وتدقيق واضحة تحدد ما يحتاجه لبنان فعلاً، وما يستطيع تشغيله وصيانته، وما الذي ينبغي رفضه حتى لو كان معروضاً بالمجان. فالدعم الحقيقي لا يُقاس بعدد الشاحنات والحافلات