لفهم الوجود الإسرائيلي المتنامي في جنوب سوريا، والصراع على المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان، تحتاج الصورة إلى النظر إلى الجبهة الشمالية باعتبارها مجالاً جغرافياً متصلاً تتداخل فيه سوريا ولبنان حول سلسلة من التلال والقمم التي تتحكم في الحركة والانتشار والمراقبة. تعود جذور هذا المسار إلى السنوات الأولى للحرب السورية، وتحديداً إلى الفترة الممتدة بين 2013 و2018، حين تحولت المرتفعات الممتدة من القنيطرة وريف درعا الغربي إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية، بالتزامن مع الأهمية العسكرية التي اكتسبتها مرتفعات جنوب لبنان في التحكم بالمجال المحيط ومحاور الحركة الممتدة نحو الليطاني. شكلت تلك الجغرافيا أساساً لنمط أمني يعتمد على السيطرة على المواقع المرتفعة باعتبارها نقاطاً حاكمة للميدان، تمنح الطرف المسيطر قدرة أوسع على مراقبة التحركات وتوجيه القوة والتحكم بمسارات الانتشار. شهدت تلك السنوات معارك متواصلة حول التلال والمواقع العسكرية في جنوب سوريا، مع سعي فصائل المعارضة إلى انتزاع المواقع التي تمنح قوات النظام قدرة على مراقبة الحدود والجولان، فيما تابعت إسرائيل هذا التحول من الجهة الأخرى من خط الفصل، وراكمت خلال تلك المرحلة معرفة ميدانية عميقة وواسعة بطبيعة القوى المحلية وشبكات الحركة ومواقع الانتشار. تزامن ذلك مع استمرار أهمية المرتفعات في جنوب لبنان ضمن الحسابات العسكرية الإسرائيلية، لتتشكل تدريجياً بيئة جغرافية واحدة تتصل فيها القنيطرة وريف درعا وجبل الشيخ بمرتفعات جنوب لبنان، وتتحول فيها السيطرة على القمم إلى وسيلة لبناء عمق أمني وعسكري يتجاوز حدود كل جبهة منفردة. بدأت المعادلة تتغير بصورة واضحة منذ 2013، حيث انسحبت قوات الأسد والمليشيات الإيرانية تدريجياً من أجزاء واسعة من محافظة القنيطرة، وتمكنت فصائل المعارضة من تثبيت وجودها في قرى ومواقع قريبة من خط الفصل، ثم توسعت عملياتها باتجاه المواقع المرتفعة التي كانت تمنح الجيش السوري تفوقاً ميدانياً. وفي عام 2014 حققت المعارضة سلسلة من الانتصارات الاستراتيجية، شملت السيطرة على تلال ومواقع في منطقة تل الأحمر وتلول الحمر وتل الجابية، ثم وصلت المعارك إلى معبر القنيطرة نفسه في آب/أغسطس 2014، عندما تمكنت الفصائل المعارضة من السيطرة عليه وعلى مساحات واسعة من الجانب السوري من الجولان، خصوصاً في مناطق بير عجم وممتنة وبريقة ونبع الصخر ومسحرة، امتداداً إلى جباتا الخشب وأحراش طرنجة، حيث ضمت الجبهة عشرات الفصائل، وبلغ تقدير قوتها آنذاك نحو 25 إلى 30 ألف مقاتل، فيما تمكنت المعارضة في نيسان/أبريل 2014 من السيطرة على التلال الشرقية في منطقة تل الأحمر، قبل أن تتوسع عملياتها في القنيطرة خلال الصيف. هنا اكتسبت التلال قيمتها الحقيقية؛ إذ إن تل الحارة، وتلول الحمر، وتل الجابية، وتلول فاطمة، وتل الأحمر، وتل الفرس، وتل الهبارية، ودير ماكر، ومواقع اللواء 61، لم تكن مجرد نقاط عسكرية متفرقة على الخريطة؛ وكانت تشكل شبكة من المرتفعات التي تتحكم في الرؤية والحركة والنيران بين القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي. وبالتالي، تعني السيطرة على تل مرتفع القدرة على مراقبة الطرق والمواقع العسكرية المحيطة، وقطع خطوط الإمداد، وتهديد قواعد الجيش السوري، وفتح ممرات جديدة باتجاه مناطق أخرى. تكشف معركة تل الجابية تحديداً طبيعة هذه الحرب على المرتفعات. ففي نيسان/أبريل 2014 تقدمت فصائل المعارضة باتجاه التل الذي كان جزءاً من منظومة اللواء 61، وسيطرت عليه بعد معارك استمرت أياماً، واستولت على دبابات وكميات من الأسلحة والذخائر، ثم حاولت قوات نظام الأسد استعادة الموقع الذي كان يحمي قاعدة اللواء من الجهة الغربية، ومن قدرته على ربط المجال العسكري في ريف درعا بالمجال الممتد نحو القنيطرة؛ إلا أنها فشلت في ذلك. كان تل الحارة أكثر حساسية، باعتباره أحد أهم مواقع المراقبة السورية في الجنوب، واحتوائه على محطة للحرب الإلكترونية والاستخبارات ومنظومات دفاع جوي ورادارات للإنذار المبكر وشبكات استطلاع إلكتروني، ما منحه قدرة واسعة على مراقبة المنطقة ورصد الحركة الجوية داخل العمق الإسرائيلي. شكل سقوط التل في أيدي المعارضة خلال تشرين الأول/أكتوبر 2014 ضربة كبيرة للقدرة السورية على مراقبة الجنوب، وتمكنت الفصائل من السيطرة عليه بعد انشقاق ضابط سوري كان ينقل معلومات إلى المعارضة، الأمر الذي جعل استعادة الموقع هدفاً رئيسياً في عمليات النظام اللاحقة عام 2015. ارتبطت معركة "والفجر وليال عشر" بهذه الأهمية الاستراتيجية، إذ أطلقتها فصائل المعارضة عام 2014 للسيطرة على التل وفتح الطريق نحو ريف دمشق وإسقاط أحد أهم المواقع العسكرية التابعة للنظام في الجنوب. تقاطعت نتائج المعركة بصورة غير مباشرة مع المصالح الإسرائيلية، فقد أدت السيطرة على تل الحارة إلى إضعاف قبض