أجمعت وسائل الإعلام المحلية على أن زيارة الرئيس الصينى «شى جى بينج» والوفد المرافق له كانت «تاريخية». ومع أن هذا عُرف إعلامى مستقر، إلا أن الوصف هذه المرة قد يكون فى محله نظرا لأهمية الصين، ولظروفنا الاقتصادية الدقيقة، وللأوضاع المضطربة التى يمر بها العالم ومنطقتنا على وجه الخصوص.. ولكن ما يجعل زيارة «تاريخية» هو ما يترتب عليها من نتائج، سواء فورية أم ممتدة، فما الذى حققته الزيارة؟ وماذا يمكن أن تحققه مستقبلا؟. التصريحات الرسمية ركزت على النتائج الاقتصادية المباشرة، وهى ليست بقليلة.. فقد جرى توقيع العديد من الاتفاقات بين الحكومتين لتعميق التعاون الاقتصادى والتجارى، على رأسها مذكرة تفاهم لربط «رؤية مصر ٢٠٣٠» بمبادرة «الحزام والطريق» لتحديد المشروعات التنموية المشتركة، واتفاقية أخرى لتعزيز الدعم التنموى، واتفاقية لإطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية الصينية فى منطقة قناة السويس، ومذكرة تفاهم لتعميق سلاسل الإمداد، وأخرى لنقل التكنولوجيا، وبناء البنية الرقمية. أما على صعيد الاستثمار الخاص، فقد تم الإعلان عن عدة مشروعات منها إنشاء مجمع جديد لتصنيع الإطارات، وتوقيع مذكرة تفاهم للاستثمار فى بطاريات السيارات وتخزين الطاقة. ولكن الحقيقة أن ما سبق لا يستدعى زيارة رئيس الصين، ولا الاهتمام الذى أبدته حكومتنا بالزيارة. لهذا أتصور أن للزيارة جوانب أكثر أهمية وعمقا فى العلاقة بين البلدين، بخصوص ملفات ربما لم تنضج بعد، ولكن من المفيد أن تكون على طاولة المفاوضات. وأذكر منها - مما تداوله الاعلام المحلى والدولى - عرضا من شركة «هواوى» لبناء مراكز بيانات سحابية متقدمة للذكاء الاصطناعى، والتعاون فى التدريبات العسكرية، وتعاون محتمل فى مجالات الطاقة واللوجستيات، وفى الاستثمار المشترك فى القارة الأفريقية، والتبادل التجارى باستخدام عملتى الدولتين، وتنسيق أكبر فى منظمة «بريكس» وفى مجال المدفوعات الدولية. القضية إذن ليست مجرد بعض الصفقات الاستثمارية - التى لا أقلل من شأنها - وإنما فرصة إحداث تغير أكبر وأعمق فى ترتيب أولويات السياسة الخارجية المصرية، بما يترتب عليها من تداعيات اقتصادية وسياسية. هذا كله لا يأتى بالمجان، بل يعنى المواءمة والمفاضلة مع علاقات قائمة وأوضاع مستقرة. وقد نقلت وسائل الإعلام الدولية أخبارا عن مقاومة الخارجية الأمريكية للتطور المحتمل بين الصين ومصر خاصة فى مجالات التكنولوجيا والتسليح ونظم المدفوعات. من جهة أخرى، فإن من أبرز التطورات الأخيرة فى قانون التجارة الدولى أن الصين شرعت فى الشهور الماضية فى إصدار تشريعات جديدة وتعليمات رقابية بعدم التعاون مع الشركات الأجنبية التى تخضع للقواعد والقيود الأمريكية، بما يضع الشركات الدولية الراغبة فى التعامل مع الطرفين فى موقف بالغ الدقة. المواءمة إذن مطلوبة.. ولا أتصور أن مصر تقبل على تغير بهذا العمق ولا هذه الحدة بحيث تستبدل شراكاتها التقليدية مع الدول الغربية بتحالف جديد مع الصين.. فهذا ليس مطلوبا، ولا من الحكمة ولا من طبيعة السياسة الخارجية المصرية الحريصة دائما على الحفاظ على العلاقات القديمة والمستقرة مع الإبقاء على مختلف القنوات الدبلوماسية المفتوحة.. ولكن لا شك أن البدء فى استطلاع البدائل المطروحة على الساحة الدولية بما فيها التقارب والتعاون مع الصين ومع الهند ومع البرازيل ومع غيرهم من الدول الكبرى صناعيا واقتصاديا وسياسيا خطوة فى الاتجاه الصحيح. تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.