“إيجار منزلي 700 دولار، وفاتورة مولد الكهرباء وحدها بلغت 400 دولار.. ماذا يبقى من الراتب؟”. يسأل هادي ساخطا بعدما وجد نفسه يعيد تنظيم ميزانية أسرته بين أقساط المدارس والطعام والعلاج. قبل أشهر، كانت فاتورة الكهرباء تتراوح بين 150 و200 دولار، قبل أن تقفز مؤخرا إلى نحو 400 أو أكثر، مع ارتفاع أسعار المحروقات على وقع اضطرابات مضيق هرمز. وفي مقابل فاتورة ترتفع في الداخل، تتحرك خارج الحدود مشروعات لتوفير مزيد من الطاقة إلى لبنان: غاز عبر الأردن وسوريا، كهرباء أردنية، ونفط عراقي يعيد إحياء مسارات قديمة نحو المتوسط، مصادر مختلفة تلتقي جميعها جغرافياً عند سوريا. داخل لبنان، يشدد رئيس تجمع أصحاب المولدات في بيت سعادة، عبدو سعد، على أن وزارة الطاقة والمياه هي من يحدد التعرفة. مشيرا في تصريحات لـ”الحرة” إلى ارتفاع سعر طن المازوت من نحو 680 دولاراً قبل أزمة هرمز إلى أكثر من 1350 دولاراً. وتنعكس كلفة المولدات الخاصة بشكل مباشر على ميزانيات الأسر، لأن كهرباء الدولة لا تزال ضيفاً لساعات محدودة في لبنان. ويضع أستاذ الاقتصاد جاسم عجاقة الزيادة ضمن مشكلة أوسع. فاعتماد لبنان على النفط المستورد، إلى جانب دولرة الاقتصاد (الاعتماد على العملة الأميركية)، يعني أن ارتفاع الأسعار العالمية ينتقل مباشرة إلى لبنان، دون أي آلية لاستيعابه. ويشير في حديث لـ”الحرة” إلى أن المازوت يستحوذ على ما يصل إلى 80 في المئة من تكاليف تشغيل المولدات، كما تمتد تداعيات ارتفاعه إلى النقل والخدمات اللوجستية وأسعار السلع والخدمات. لكن فاتورة مولد الكهرباء ليست سوى الجانب الأكثر شيوعا لأزمة أقدم في لبنان. ويرجع مصدر رسمي سابق في قطاع النفط والطاقة، أحد جذور الاختلال إلى تسعينيات القرن الماضي، حين ثبُتت تعرفة الكهرباء رغم أن كلفة الإنتاج مرتبطة بأسعار النفط العالمية. ويصف المصدر القرار في حديث لـ”الحرة” بأنه “غلطة مميتة”. فالتعرفة وضعت، بحسب قوله، عندما كان سعر برميل النفط يدور حول 28 دولارا. ولم يكن الخلل مالياً فقط. لأن مؤسسة الكهرباء كلّفت شركة كهرباء فرنسا (EDF) إعداد دراسات لتطوير معامل الإنتاج وشبكات النقل. لكن غياب القرار السياسي الموحد والمحاصصة حالا دون تنفيذها. ومع رفع الدعم عن المحروقات عام 2021 وتعديل التعرفة، باتت المؤسسة تحصل سعراً أقرب إلى كلفة الإنتاج وتستخدم إيراداتها لشراء الوقود. لكن معالجة جانب من الاختلال المالي لم تحل مشكلة نقص الإنتاج. ويضع الباحث في مجال الطاقة، مارك أيوب، الطاقة الشمسية والرياح على رأس الخيارات الأقل كلفة على المدى الطويل. أما على المدى الأقرب، فيرى أن الأولوية تكمن في عقد اتفاقات مباشرة مع دول منتجة خارج نطاق مضيق هرمز، بما يتيح تأمين الوقود بأسعار أكثر تنافسية وشروط سداد أطول. ووسط هذه الصورة، يبدو الغاز المسار الأكثر تقدماً. ففي السادس من سبتمبر، وافق مجلس الوزراء الأردني على تزويد لبنان بالغاز عبر سوريا. وتقضي الآلية باستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر العقبة، وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، ثم نقله عبر الشبكة الأردنية إلى سوريا ومنها إلى لبنان، بالتوازي مع تولي شركة TGS المصرية إعادة تأهيل الجزء اللبناني من خط الغاز. وهذه الفكرة ليست جديدة، ففي عام 2022، وقّعت اتفاقية لنقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ، بسبب “قانون قيصر”. ويصف أيوب التحرك الجديد بأنه “خطوة جيدة”، لافتاً إلى أن الغاز “سيكون على الأغلب إسرائيلياً، وليس أردنياً أو مصرياً”. ويقدّر عجاقة أن تحويل محطات التوليد الحرارية إلى الغاز يمكن أن يخفض كلفة الوقود لكل كيلوواط/ساعة من أكثر من 20-25 سنتاً إلى أقل من 12 سنتاً، إلى جانب رفع الكفاءة وخفض تكاليف التشغيل والصيانة. لكن تحقيق ذلك، وفقا له، يصطدم بعوائق عدة، في مقدمتها التصنيف الائتماني للبنان ومحدودية قدرته على الوصول إلى السيولة الدولية، ما يجعل الموردين أكثر تردداً في توقيع عقود غاز طويلة الأجل دون دفعات مسبقة وضمانات بالعملات الصعبة. كذلك تبرز المخاطر الجيوسياسية والتنظيمية المرتبطة بمرور الإمدادات عبر سوريا. والغاز ليس المشروع الوحيد العابر لسوريا، إذ وقّع لبنان عام 2021، اتفاقية لشراء ونقل الكهرباء من الأردن عبر سوريا، لكنه “لم يطبق كذلك، بسبب قانون قيصر حينها”، كما يقول المصدر. وفي مايو الماضي، بعد إلغاء العمل بالقانون، عاد الربط الكهربائي إلى طاولة البحث خلال اجتماع وزراء الطاقة في لبنان والأردن وسوريا في عمّان، مستفيداً من فائض الإنتاج الأردني، ولا سيما من الطاقة المتجددة. ويبقى المصدر الثالث للطاقة أكثر تعقيداً. فمنذ أبريل الماضي، بدأت قوافل الصهاريج نقل النفط من العراق إلى بانياس، بعدما دفعت اضطرابات مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن منافذ بديلة. لكن ما بدأ ك