تتحرّك الأحداث الميدانيّة في الجنوب بإيقاع أسرع بكثير من المسار الدبلوماسي. ويواجه لبنان منزلقًا خطرًا يضع الدولة أمام استحقاق وجودي. وفيما تواصل الاتصالات الدوليّة مساعيها للحدّ من اندفاعة الهجمة الإسرائيليّة، وتأمين المناخات الملائمة لعقد مؤتمر دعم الجيش المنتظر في باريس، تفرض المعارك على الأرض تحدّيات جديدة ومعالجات جذريّة. وتُظهر التحرّكات الأخيرة للجيش اللبناني داخل مدينة النبطية وأحيائها أنّ الدولة تحاول إثبات حضورها في المساحات الأكثر تعرّضًا لخطر التمدّد الإسرائيلي. غير أنّ هذه الإجراءات لا ترتقي إلى التموضع المكثّف الدائم أو الترتيب الأمني الحاسم وفق ما يطلبه الجانب الأميركي من لبنان. وفيما موعد الجولة التفاوضيّة المقبلة يبقى معلّقًا، تعكس خطوات الدولة في النبطية والجوار محاولة رسميّة لإبقاء الوضع هناك تحت مستوى معيّن من السيطرة، وتجنّب استغلال إسرائيل للواقع الأمني فتقوم بعمليّة ساحقة تستهدف المدينة. وهذا ما أكّده رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في الاجتماع الأمني الذي ترأّسه في بعبدا، إذ حذّر من أنّ إسرائيل تريد استغلال أيّ فراغ أمني في الجنوب كذريعة لمواصلة الاعتداءات. لكن السؤال المطروح هو: هل إنّ هذا النمط المستعاد في معالجة الاستحقاقات الجنوبيّة سيكون كافيًا لتجنيب النبطية ما تواجهه من أخطار؟ فالمعالجات التي جرى اعتمادها في التجارب السابقة لم تمنع سقوط المناطق والنقاط الحيويّة في الجنوب، وكان آخرها مرتفعات علي الطاهر التي أضحت بـ"سقوطها العملياتي" تحت سيطرة إسرائيل بوّابة مباشرة للتمدّد نحو مدينة النبطية. ومن "النقاط الخمس" قبل عامين إلى التطوّرات الأخيرة، تبدو خطط الدولة لمواجهة الواقع قاصرة عن ردع الآلة العسكريّة الإسرائيليّة ونزع ذرائع التدمير. وهذا الانسداد الميداني يضع لبنان بأسره، أي السلطة السياسيّة وقيادة الجيش وحزب الله، أمام معادلة واضحة: هل سيتوافق اللبنانيّون على سبيل واضح لإدارة المرحلة في الجنوب؟ من سيتولّى هذه الإدارة الدقيقة؟ بأيّ أدوات، وأيّ أثمان؟ في منطق الدولة أنّ حماية النبطية ومنع انجرافها نحو خيار التدمير الشامل يستوجب خطوات استراتيجيّة تتجاوز منطق الحضور المؤقّت، وتتطلّب انتقال الدولة المباشر والكامل إلى إدارة الملف الأمني والإمساك بالقرار العسكري في الجنوب من دون تجزئة، وإقدام حزب الله على تسليم سلاحه وقراره العسكري رسميًّا لمصلحة المؤسّسة العسكريّة، بما يقطع الطريق أمام ذرائع إسرائيل. وهذا ما يتيح للجنة المراقبة معاينة الميدان والتحقّق من الترتيبات الجديدة. وبذلك، قد تكون في يد لبنان ورقة ضغط سياسيّة ودبلوماسيّة تُعزّز موقفه، سواء في جولة المفاوضات المقبلة أو في مؤتمر باريس، بحيث يصبح المجتمع الدولي ملزمًا بدفع إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها وبدء الانسحاب من الجنوب. لكن حزب الله ما زال يعتبر أنّ هذا النهج سيمنح إسرائيل هامش توسّع أكبر، ولن يدفعها إلى الوفاء بأيّ التزام، بل على العكس سيزيدها تعنّتًا. ومن هنا، واقعيًّا، مشكلة لبنان شبه مستعصية، والجنوب معرّض لبلوغ الأسوأ. المفارقة أنّ السجال الدائر حول النبطية لا يتعلّق، في جوهره، بما إذا كان الجيش موجودًا فيها أم لا. قيادة الجيش حسمت هذه النقطة عندما أوضحت، في الثامن من أيلول، أنّ وحداتها منتشرة في جميع المناطق التي لا وجود فيها للاحتلال الإسرائيلي، ولا سيّما منطقة النبطية، وأنّ ما طرأ أخيرًا هو تكثيف المهمّات بهدف طمأنة الأهالي. وأعلنت قيادة الجيش اليوم أن التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي طاول مناطق سكنية ومؤسسات وأوقع عدداً كبيراً من الضحايا، بينهم 12 شهيداً على الأقل في كفررمان، يهدد التفاهمات القائمة ويعيق جهود الجيش لإرساء الاستقرار واستكمال انتشاره في الجنوب. وأكدت أن الجيش أبدى استعداده الكامل لتنفيذ التزاماته منذ توقيع اتفاق الإطار، وباشر إجراءات فرض السيطرة العملياتية في المناطق النموذجية، رغم عدم الاتفاق الكامل حتى الآن على مراحل هذه المناطق والخطوات اللاحقة. وأوضحت أن الإجراءات شملت إقامة 6 حواجز ثابتة و13 نقطة مراقبة في زوطر الغربية وفرون وصريفا، وتسيير دوريات على مدار الساعة، إضافة إلى مصادرة نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها منصات صواريخ وصواريخ ومسيّرات وذخائر مختلفة، وفتح نحو 12 كيلومتراً من الطرقات وتفتيش عدد من المنازل وفق القوانين اللبنانية وبموافقة أصحابها. ولفتت إلى أن هذه الإجراءات أتاحت للجيش فرض السيطرة العملياتية والتحكم بحركة الدخول والخروج، بالتوازي مع العمل على تأمين عودة السكان ورفع الركام وفتح الطرقات. وفي المقابل، قالت قيادة الجيش إن إسرائيل سجلت نحو 7700 خرق لاتفاق الإطار منذ توقيعه في 26 حزيران 2026، إضافة إلى إطلاق النار قرب عناصر الجيش ودورياته، معتبرة أن الاعتداءات الأخيرة أدت إلى موجة نزوح جديدة