بعد 3 سنوات من حرب متعددة الجبهات، تدخل إسرائيل عامها الرابع فيما تبقى معظم أهدافها المعلنة بعيدة عن الإنجاز، وسط جبهات لا تزال مفتوحة من غزة ولبنان إلى إيران وسوريا، واستنزاف متزايد للجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط، يطرح أسئلة ثقيلة حول قدرة المؤسسة العسكرية على استعادة جهوزيتها والاستعداد لأي مواجهة جديدة. وفي قراءة تحليلية للصحافي والمحلل العسكري نير دفوري ضمن مشروع "سنة اختبار" الخاص بمراسلي "N12"، أشار إلى أن هدفًا واحدًا فقط من أهداف الحرب تحقق حتى الآن، وهو إعادة المخطوفين، فيما لم تتحقق بقية الأهداف، ولا تزال جميع الجبهات مفتوحة، سواء في غزة أو لبنان أو إيران أو سوريا. ويرى دفوري أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل سيكون محاولة إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاقات أو تفاهمات أمنية في كل جبهة، مع اختلاف قدرة إسرائيل ومسؤوليتها من ساحة إلى أخرى. ففي الجبهة الإيرانية، بحسب القراءة، يعتمد كل شيء تقريبًا على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والطريقة التي سيقود بها الحرب ويديرها، فيما تبقى قدرة إسرائيل على التأثير في هذا المسار محدودة جدًا. أما في بقية الجبهات، فيعتبر دفوري أن قدرة إسرائيل على إنهاء القتال عبر الاتفاقات أكبر بكثير. وفي غزة ولبنان، ورغم بدء مسارات معينة، فإن الوصول إلى نتائج لا يزال مرتبطًا بعاملين أساسيين: الاستعداد لتقديم تنازلات، وامتلاك الجرأة القيادية لاتخاذ القرارات. ويطرح دفوري السؤال حول ما إذا كانت القيادة الإسرائيلية الحالية، أو القيادة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، قادرة على اتخاذ خطوات قد لا تكون شعبية في بعض الأحيان، لكنها ضرورية، وفق تعبيره، لأمن إسرائيل. وفي أي اتفاق تتجه إليه إسرائيل على أي من الجبهات، يرى دفوري أنها ستكون مطالبة بضمان الأمن للتجمعات السكانية المحاذية للحدود، سواء في غلاف غزة أو على الحدود الشمالية، بهدف تمكين السكان من العودة والاستقرار مجددًا، وإعادة بناء مجتمعات مزدهرة واقتصاد وتعليم قادرين على الاستمرار. ولتحقيق ذلك، لا تكفي الترتيبات الأمنية وحدها، إذ يشدد على ضرورة أن ترافقها إجراءات حكومية داعمة لم تُنفذ حتى الآن، تشمل دعم فرص العمل والبنى التحتية والنقل والتعليم والصحة، إلى جانب تقديم مساعدات واسعة جدًا للمناطق الجنوبية والشمالية، إذا كانت الدولة تريد إعادة هاتين المنطقتين الطرفيتين إلى مسار النمو والازدهار. وتبرز الضفة الغربية كجبهة إضافية في هذه المعادلة. وبحسب دفوري، تحاول الحكومة الإسرائيلية الحالية إدارة النزاع هناك من دون اتخاذ قرارات أساسية لا تناسبها سياسيًا. ويقول إن الحكومة تقوم من جهة بخطوات تهدف إلى تفكيك السلطة الفلسطينية، لكنها من جهة أخرى تُبقيها في حالة "إنعاش"، معتبرًا أن الإدراك لما قد يحدث إذا انهارت السلطة الفلسطينية، في ظل غياب أي بديل عنها، يقود إلى سيناريو "انفجار برميل البارود الذي نجلس فوقه". ويرى أن التحدي الأكثر مركزية في الضفة الغربية هو فرض سلطة الدولة والتعامل في الوقت نفسه مع الهجمات الفلسطينية، وكذلك مع حالات العنف التي يرتكبها إسرائيليون. ويشير إلى أن أعمال العنف التي يرتكبها مدنيون إسرائيليون تتسبب بأضرار داخلية هائلة، كما تلحق أذى بصورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، لافتًا إلى أن مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من إسرائيل تتأثر بصورة مباشرة بهذه الأحداث. وبالتوازي مع الجبهات الخارجية، يضع دفوري مسألة إعادة تأهيل الجيش الإسرائيلي في صدارة التحديات المقبلة. ويقول إن إعادة بناء قدرات الجيش ترتبط أولًا بإغلاق الجبهات، بما يسمح بإراحة القوات وتجديدها، واستعادة الجهوزية العسكرية والعودة إلى التدريبات والتحضير لاحتمال الاضطرار إلى القتال مجددًا في المستقبل. ويرتبط ذلك، بحسب القراءة، بحجم القوات التي ستبقى منتشرة على الحدود أو في الضفة الغربية، وما إذا كان حجم الانتشار سيسمح للجيش في الوقت نفسه بالعودة إلى التدريبات واستعادة جهوزية القوات النظامية وقوات الاحتياط. كما يبرز ملف جنود الاحتياط بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحًا، إذ يشدد دفوري على ضرورة تخفيف العبء عنهم، والاهتمام بهم وبعائلاتهم، بما يتيح للجيش الحصول على الوقت المطلوب للتعافي والاستعداد لاحتمال استدعائه مجددًا إلى القتال. وهذه المسألة، وفق دفوري، لا تتعلق بما سيفعله الجيش وحده، بل أيضًا بما ستفعله الدولة، وهنا يتقاطع الملف مع قانون الإعفاء من التجنيد، وتجنيد الحريديم، وطريقة التعامل مع منظومة الاحتياط. ويصف هذا التحدي بأنه "هائل"، سياسيًا وعسكريًا في آن واحد، مؤكدًا أنه، خلافًا لما يعتقده بعض السياسيين، ليس مشكلة تخص الجيش الإسرائيلي وحده، بل مشكلة تطال الدولة بأكملها. ويضيف أن آثار هذا الاستنزاف باتت واضحة على جنود الاحتياط أنفسهم، وعلى عائلاتهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.