يتغير سلوك الدفع في لبنان بوتيرة لافتة، بعدما بدأت الأرقام ترصد انتقالا تدريجيا من اقتصاد اعتاد "الكاش" إلى استخدام أوسع للأدوات المصرفية والإلكترونية. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، ارتفع عدد عمليات الدفع بالبطاقات بنسبة 130%، فيما زادت قيمتها بنحو 50%، وقفز عدد الشيكات بالدولار "الفريش" بنسبة 124%، وارتفعت قيمة التحويلات المصرفية بالدولار 117%. والأكثر دلالة أن قيمة الشيكات بالدولار تخطت مليار دولار، مقارنة بـ540 مليونا في الفترة عينها من العام الماضي.يضع نائب حاكم مصرف لبنان الدكتور مكرم بو نصار هذه الأرقام في سياق سلسلة من الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي خلال الأشهر الأخيرة لتطوير القطاع المالي، وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والحد من الاعتماد على النقد، ضمن رؤية حاكم مصرف لبنان كريم سعيد والمجلس المركزي بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة. وتزامت هذه الإجراءات، بحسب بو نصار، مع تشديد متطلبات الحوكمة والامتثال ورفع مستويات رأس المال لدى المؤسسات المالية وشركات تحويل الأموال والصرافين ومقدمي خدمات المحافظ الإلكترونية، بما يعزز متانة هذه المؤسسات وسلامة عملياتها. ولا ينظر بو نصار إلى الدفع غير النقدي بوصفه تحولا تقنيا فحسب، بل يربطه بإطار أوسع من الرقابة والامتثال وفق المعايير والممارسات الدولية، بما يزيد الشفافية ويحد من المخاطر المالية ويدعم الثقة بالنظام المالي. ويرى أن تكامل هذه الإجراءات يعزز التزام لبنان المعايير الدولية في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ويدعم الجهود الرامية إلى خروج لبنان من اللائحة الرمادية. أبرز مؤشرات التحول تظهر في بطاقات الدفع. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفع عدد العمليات بنسبة 130% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما زادت القيمة الإجمالية للعمليات بنحو 50%. ويرى بو نصار أن هذه القفزة تعكس بدء استعادة استخدام البطاقات في السوق المحلية، ولا سيما تلك الصادرة عن المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية. لكنه يلفت إلى أن معدلات النمو كان يمكن أن تكون أعلى لولا تأثير الحرب والعدوان على الإنفاق، خصوصا على استخدام البطاقات الدولية داخل لبنان. ولا تبدو الزيادة محصورة في البطاقات. فبيانات المقاصة التي يعرضها بو نصار تظهر ارتفاع عدد الشيكات بالليرة اللبنانية "الفريش" من 13 ألف شيك إلى 33 ألفا، أي بنسبة 142%، فيما ارتفعت قيمتها من 23 ألف مليار ليرة إلى 48 ألف مليارا، بزيادة 105%. أما الشيكات بالدولار "الفريش"، فارتفع عددها من 40 ألفا إلى 89 ألفا، أي بنسبة 124%، فيما تخطت قيمتها مليار دولار، مقابل 540 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من 2025، بزيادة 108%. وتؤكد التحويلات المصرفية الاتجاه نفسه، إذ بلغ عدد التحويلات المحلية "الفريش" نحو 135 ألف عملية، مقابل 86 ألفا في الفترة عينها من العام السابق، بزيادة 60%. أما قيمة التحويلات المالية المحلية المنفذة عبر أنظمة الدفع لدى مصرف لبنان بالدولار "الفريش"، فارتفعت بنسبة 138% وفق البيانات التفصيلية التي يعرضها المصرف المركزي. وتعني هذه المؤشرات، وفق قراءة بو نصار، أن "التغيير لا يتركز في أداة واحدة، بل يمتد إلى أكثر من قناة مالية، من البطاقة إلى الشيك والتحويل المصرفي، بما يشير إلى توسع الاعتماد على وسائل الدفع والتحويل غير النقدية". من محطات المحروقات إلى الصيدليات يبدو التحول أكثر وضوحا عندما ينتقل من الأرقام المصرفية إلى تفاصيل الحياة اليومية. فبحسب المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر، في لبنان نحو 3200 محطة بنزين، أصبح لدى نحو 1100 منها أجهزة نقاط بيع (POS). ويضم قطاع الصيدليات نحو 3600 صيدلية، تتوافر أجهزة نقاط البيع في ما لا يقل عن 1200 منها، فيما تُستخدم هذه الأجهزة في 180 سوبرماركت تابعة لـ75 شركة.لكن المؤشر الأهم ليس عدد الأجهزة، بل نسبة استخدامها. فقد ارتفعت حصة الدفع الإلكتروني في محطات الوقود من 8% إلى 12%، بينما قفزت في الصيدليات من 16% إلى 33%. وتكشف هذه النسب أن الدفع الإلكتروني بدأ يتحول من مجرد خيار متاح إلى سلوك فعلي في قطاعات يتعامل معها المواطن يوميا. ويشكل خفض كلفة الدفع إحدى الأدوات الأساسية لدعم هذا التحول، إذ يشير بو نصار إلى أن مصرف لبنان وضع سقفا للعمولة هو 1.25% عند استخدام بطاقات الدفع في محطات المحروقات والسوبرماركت والمستشفيات والصيدليات والأفران، على ألا يتحمل حامل البطاقة أيّ عمولة. وبمعنى عملي، فإن التاجر الذي يقبض 100 دولار بواسطة البطاقة يحصل على 98.75 دولارا. أما تسديد الضرائب والرسوم لدى وزارة المال، فقد حددت عمولته بـ0.9%. ويوضح المدير العام لوزارة المال جورج معراوي أن شركتي Visa وMastercard خفضتا بدورهما العمولات المتعلقة بالدفع لدى الوزارة إلى 0.9%، بعدما كانت ترا