وكم منزلٍ في الأرض يألفه الفتىوحنينُه أبداً لأول منزلِ.(أبو تمام) منذ الإعلان عن تعيينه، طُرحت أسئلة حول قدرة ميشال عيسى، اللبناني الأصل والجنسية، أن يمثل الدولة العظمى في لبنان، مع ما يترتب على ذلك من أسئلة الولاء واحتمالات تعارض المصالح والعواطف. السفير عيسى تمكن بسرعة فائقة أن ينسي الجميع هذه التساؤلات. ليس لأنه وجد حلاً نظرياً لمسألة تعدد الانتماء، بل تمكن بسلاسة شخصيته المترافقة مع مهنيّة عالية، من استثمار الالتقاء النادر بين السياسة التي تحملها واشنطن إلى لبنان اليوم، مع المصلحة الوطنية اللبنانية كما يحددها الدستور، لا كما تحددها موازين القوى، أي الدولة التي تبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتستعيد أرضها المحتلة، ولا ينازعها في سيادتها جيش أجنبي ولا تنظيم مسلح. كاتب هذه السطور لا يعرف السفير ميشال عيسى، ولم يلتقِ به قبل أن يصبح سفيراً للولايات المتحدة في لبنان ولا بعد ذلك. إلا أن الحركة التي يؤديها والبيانات التي تصدر عن السفارة وتصريحاته التي يتكلم فيها باللبنانية كما لو أنه لم يغادر هذا البلد. كل ذلك يفيد بأنه أميركي لا شك فيه وسفير الولايات المتحدة، وممثل رئيسها وإدارتها، ومن الطبيعي أن يكون ولاؤه السياسي والقانوني للدولة التي أوفدته، لكنه تمكن من استثمار لحظة التقاطع بين سياسة بلده ومصلحة لبنان إلى أقصى حدّ. أمضى لبنان عقوداً يدفع ثمن تقاطع مصالح الآخرين فوق أرضه وثمن تخلّي الولايات المتحدة عنه، واليوم يستطيع بصورة استثنائية أن يستفيد من تقاطعها لمصلحته. وأهمية وجود ميشال عيسى اليوم ليست في أنه يحب لبنان وحسب بل في كونه مدركاً طبيعة اللحظة على ما يبدو. ومن هنا إن اتفاق الإطار والمفاوضات التي سبقته والتي قامت عليه ليست مسألة عابرة بل إنه وللمرة الأولى منذ زمن طويل أصبحت عناصر الأزمة موضوعة على الطاولة في ترابطها الحقيقي وفق المعادلة التي اختصارها سابقاً بـ "الأرض مقابل السلاح". قد تتعثر المفاوضات أو تتوقف، وقد تعود الحرب، لكن المعادلة لا عودة عنها. ومنذ وصوله، يبدو عيسى كمن يحاول منع الخيط من الانقطاع. يتحرك عندما تتوقف الحركة، ويذهب إلى حيث ينبغي أن يذهب، ويحاول إعادة المفاوضات إلى الحياة عندما يظن الآخرون أنها ماتت. والأهم أنه يفعل ذلك من موقع واضح وهو أن الدولة اللبنانية هي المخاطَب، وهي التي تفاوض والتي يفترض أن تستعيد الأرض والسلاح معاً. مؤسف أن في لبنان من لا يزال يعتبر وجود جيش واحد للدولة وجهة نظر، وأن يكون كل شيء بحاجة إلى توافق، وأن يكون بسط سلطة الدولة، على بداهته، بنداً تفاوضياً، وأن يكون تطبيق الدستور يحتاج إلى وساطة دولية. وقد شاءت الأقدار اليوم أن ترغب الولايات المتحدة في مساعدة لبنان على إخراج إسرائيل من أرضه، وأن تضغط لإنجاح اتفاق، وأن تساهم في صناعة تسوية إقليمية. لكنها لا تستطيع أن تعيد الجمهورية إلى اللبنانيين إذا كانوا هم لا يريدون استعادتها. يبدو السفير عيسى لبنانيًا أكثر من المسؤولين اللبنانيين. وعندما تخلى عن جنسيته اللبنانية قبل تعيينه، لم يكن السبب مسألة الولاء بل كان سببًا قانونيًا يتصل بوضع الدبلوماسي في الدولة المضيفة وبالحصانات والامتيازات التي يفقدها إذا كان يحمل جنسية البلد المضيف. ولعله بعد انتهاء مهمته الدبلوماسية بنجاح، يستعيد جواز سفره اللبناني ويتبوأ في لبنان أعلى المناصب التي تمكنه من إتمام مهمة استعادة لبنان.