لم تعد الحرب المتصاعدة في اليمن محصورة بين الحوثيين والحكومة المدعومة من السعودية، إذ باتت التطورات الأخيرة تضع البحر الأحمر وباب المندب في قلب معادلة إقليمية أوسع، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تؤدي سيطرة الحوثيين المتزايدة في المنطقة إلى إعادة تنشيط الجبهة الجنوبية وتهديد الملاحة والتجارة المرتبطة بإسرائيل، حتى من دون إطلاق صاروخ واحد باتجاهها. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون، فإن الحوثيين وسّعوا عملياتهم خلال الأيام الأخيرة على مسارين متوازيين، الأول داخل اليمن عبر هجوم على امتداد الساحل الغربي ومحاولة تعزيز سيطرتهم في محيط باب المندب، والثاني عبر استئناف إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بكثافة باتجاه السعودية. وخلال الأيام الأخيرة، طالت الهجمات أهدافًا في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفرت عن إصابة ما لا يقل عن 73 شخصًا. وردّت السعودية بسلسلة ضربات داخل اليمن، وأكدت أنها سترد على أي استهداف للبنى التحتية أو المدنيين. وبالنسبة إلى إسرائيل، يشكل الصراع على منطقة باب المندب التطور الأكثر حساسية، إذ تقدم الحوثيون باتجاه الساحل وسيطروا على مناطق تمنحهم قدرة أكبر على تهديد خط الملاحة الذي يربط المحيط الهندي بخليج عدن والبحر الأحمر. ووفق وكالة "رويترز"، فإن التقدم الحوثي في منطقتي المخا وذُباب قد يمنح الجماعة قدرة أكبر بكثير على ممارسة الضغط على حركة الملاحة في المضيق. وبالنسبة إلى إسرائيل، تُعد هذه نقطة ضعف معروفة، بعدما تلقى ميناء إيلات ضربة اقتصادية كبيرة نتيجة التهديد الحوثي للسفن المرتبطة بإسرائيل، فيما تراجعت حركة السفن إليه بصورة حادة. وأي تمركز حوثي أوسع بالقرب من باب المندب من شأنه أن يجعل استعادة الحركة التجارية الطبيعية في البحر الأحمر أكثر صعوبة، كما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن إلى إسرائيل. أما التداعيات الثانية فتتصل بالجانب العسكري، إذ سبق للحوثيين أن أثبتوا قدرتهم على إطلاق صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة يصل مداها إلى إسرائيل. وعليه، فإن توسع نفوذهم لا يمنحهم بالضرورة مدىً جديدًا، لكنه يوفر لهم هامش تحرك أوسع وشعورًا أكبر بالأمان وبنى تحتية إضافية يمكن استخدامها في أي مواجهة مقبلة. وفي حال توسعت الحرب في اليمن، قد تجد إسرائيل نفسها أمام جبهة نشطة مجددًا من الجنوب، بالتوازي مع المواجهة الإقليمية الأوسع مع إيران وحلفائها. ويبرز العامل الإيراني كعنصر ثالث في هذا المشهد، إذ تستخدم طهران الحوثيين كوسيلة ضغط على خصومها الإقليميين. وفي وقت يشهد مضيق هرمز اضطرابات حادة، فإن قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب في الوقت نفسه تمنح إيران ورقة استراتيجية استثنائية، من خلال الضغط المتزامن على اثنين من أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم. وبالنسبة إلى إسرائيل، لا يتمثل السيناريو الأخطر بالضرورة في هجوم حوثي واسع بحد ذاته، بل في ربط الجبهات ببعضها. فإذا تحولت المواجهة بين السعودية والحوثيين إلى حرب واسعة، واختارت إيران تفعيل الحوثيين كجزء من صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد تعود اليمن لتصبح جبهة نشطة ضمن المواجهة الإقليمية. وفي هذا السيناريو، ستكون إسرائيل مطالبة بحماية إيلات، وخطوط الملاحة في البحر الأحمر، والجبهة الداخلية من الصواريخ والطائرات المسيّرة في وقت واحد، إلى جانب احتمال إعادة النظر في تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي اليمنية. وعليه، فإن المعركة الدائرة اليوم في اليمن ليست بعيدة عن إسرائيل كما تبدو جغرافيًا، لأن جوهر الصراع بات مرتبطًا بالسيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومن يملك القدرة على التأثير فيه يمتلك ورقة ضغط مباشرة على التجارة الإسرائيلية وعلى أحد أبرز طرق وصول إسرائيل إلى آسيا.