كتبت الكاتبة والمحللة السياسية اليسّا الهاشم: في لبنان، حيث لا يتفق أحد مع أحد على أي شيء، هناك ملف واحد يوحّد الخصوم كافة في موقف واحد غير معلن: تجنّبه كلياً. لا نقاش، لا طرح، لا حتى رفض صريح يمكن مساءلته. مجرد صمت مطبق، متقن، ومريح لكل الأطراف. هذا وحده يستحق التوقف عنده أكثر من أي تفصيل في مضمون اتفاقيات أبراهام نفسها: حين تتفق كل القوى المتناحرة في بلد واحد على تجنّب نقاش بعينه، فالمسألة لم تعد عن محتوى النقاش، بل عمّا يحميه هذا الصمت. هذا المقال لا يسأل من يستحق التطبيع ومن لا يستحقه. الدول التي وقّعت فعلت ذلك بقرار سيادي، برؤية اقتصادية، وبرهان استراتيجي كل واحدة منها تحمّلت كلفته السياسية علناً. السؤال الحقيقي، الأخطر، هو: لماذا تتعامل قيادة لبنان مع مجرد إمكانية طرح الموضوع كأنها تهديد وجودي؟ لماذا يُدار كأنه لغم يجب الالتفاف حوله بدل ملف يُدرس ويُقرَّر فيه، ولو بالرفض؟ الإجابة الصادقة: لأن أي انفتاح جدي على مسار كهذا يعني إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عمّا هي عليه اليوم، دولة تتخذ قراراتها بنفسها، لا دولة تُدار بالوكالة. وهذا ما لا يحتمله النظام القائم، بكل مكوّناته لا بمكوّن واحد فيه. حين قرّرت دول أخرى: لا حرب ولا سلاح موازٍ، بل مسار وأرقام في المنامة، لم يكن القرار سهلاً على بلد صغير محاط بحسابات إقليمية دقيقة. ومع ذلك، أوفدت البحرين خلال أشهر من التوقيع وفوداً تجارية من عشرات الشركات في التكنولوجيا واللوجستيات والعقارات، وفتحت سفارة كاملة الصلاحيات، وراهنت على أن حجم تبادلها التجاري قابل للتضاعف عشر مرات خلال سنوات قليلة بحسب التقديرات. لم تنتظر البحرين اكتمال الظروف المثالية، بل تحركت وبنت الجسور تباعاً. في الرباط، لم يقتصر الأمر على تبادل السفراء. وقّعت المغرب اتفاقيات تعاون علمي وتقني تشمل الذكاء الاصطناعي والزراعة والطاقة المتجددة والمدن الذكية، وأبرمت صفقات نقل تسمح باستخدام رخص القيادة المغربية في إسرائيل، وفتحت خطوط شحن مباشرة. وفي الجانب الأمني، أبرمت صفقة تُقدَّر بمليار دولار مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتزويدها بقمر تجسس عسكري، قرار سيادي اتخذته الرباط لخدمة مصالحها الأمنية. وفي أبوظبي، تجاوز حجم التبادل التجاري مع إسرائيل ثلاثة مليارات دولار خلال أقل من ثلاث سنوات من توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. الرقم الإجمالي لتجارة دول الاتفاقيات تجاوز 4 مليارات دولار رسمياً عام 2023، بحسب معهد سلام أبراهام، مع تقديرات تتجاوز 10 مليارات دولار إذا احتُسبت صفقات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا. حتى مصر والأردن شهدتا خلال السنوات الثلاث الماضية تضاعف حجم تجارتهما مع إسرائيل: الأردن مرتين، ومصر ثلاث مرات. لبنان: لا قرار بالانضمام، ولا قرار بالرفض، بل امتناع عن القرار نفسه في المقابل، لبنان لا يملك حتى سجالاً علنياً حول الموضوع. لا دراسة جدوى، لا موقف رسمي معلن، لا نقاش في مجلس الوزراء أو لجان نيابية متخصصة. فقط تعتيم كامل، وكأن البلد اتفق ضمناً على ألا يعرف شعبه حتى حجم ما يخسره. هذا الامتناع ليس حياداً، ولا هو موقفاً سيادياً مدروساً كما يُراد له أن يبدو. إنه بالضبط الشيء الذي يحتاجه من يستفيد من استمرار الانهيار: بلد لا يقرر، لا يتقدم، ولا يتراجع، بل يبقى معلقاً إلى ما لا نهاية، ويتحوّل "اللاقرار" إلى غطاء مريح لمن له مصلحة في بقاء الوضع. المفارقة الأعمق أن هذا الملف تحديداً هو نقطة الالتقاء النادرة بين أطراف لا يلتقون على شيء آخر، وهنا بالضبط تكمن الكارثة: لو كان الأمر محصوراً بجهة واحدة ترفض وتُعطّل، لكان الحل معروفاً ومساءلة المسؤول ممكنة. لكن الواقع أشد تعقيداً وإدانة لمنظومة الحكم بأكملها. "الثنائي الشيعي" ومحوره الإقليمي لهما مصلحة واضحة ومعلنة في إبقاء الملف مقفلاً: أي نقاش جدي حول التطبيع يعني حتماً مساءلة شرعية السلاح خارج الدولة. لكن الأخطر أن يُختصر المشهد بهذا الفريق وحده، فيما القوى الأخرى، المسيحية والسنية والدرزية، ونخب المال والأعمال، وحتى بعض من يرفعون شعار السيادة والاستقلال، تتقن الصمت بذرائع مختلفة: من يخشى فقدان قاعدته الشعبية إن اتُّهم بـ"التطبيع"، ومن يكتفي بانتقاد "حزب الله" علناً بينما يتجنّب أي خطوة عملية تضعه أمام استحقاق لا يريد مواجهته. لا أحد منهم يملك سلاحاً موازياً، لكن جميعهم يملكون رفاهية عدم اتخاذ موقف لا تقل كلفتها عن التعطيل المباشر. النتيجة واحدة أياً كانت الدوافع المختلفة لكل طرف: تحالف غير معلن، لكنه فعلي تماماً وعابر لكل الانقسامات الطائفية والسياسية المعتادة، على إبقاء لبنان خارج أي مسار يعيد له القدرة على التقرير بنفسه. فلا جهة واحدة ترفض علناً بينما البقية تتفرّج بريئة، بل لا أحد من أي فريق يريد أن يكون أول من يكسر الصمت ويتحمّل كلفة طرح السؤال، و