أثارت تصريحات لأمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح" جبريل الرجوب، شكّك فيها في إجراء الانتخابات التشريعية في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تساؤلاتٍ حول ما إذا كانت تصريحاته انعكاساً لنقاشات في كواليس الحركة وقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله. وجاء تشكيك الرجوب في إجراء الانتخابات بموعدها عقب تسوية خلافاته مع قيادة الحركة، مروراً باسترضائه عبر انتخابه أميناً لسر مركزية "فتح"، في مؤشر إلى انتهاء الغضب الناشئ على خلفية عدم إسناد مواقع حركية إليه ولعضو اللجنة المركزية محمود العالول بعد المؤتمر الثامن للحركة. ووفق إفادات فتحاوية لـِ "المدن"، فقد أسهمت وساطات واتصالات في إنهاء الخلاف، فيما تتواصل الجهود لتسوية الخلاف أيضاً مع العالول. فهل تمثل تصريحات الرجوب تقديراً شخصياً؟ أم بداية لتهيئة الرأي العام لسيناريو تأجيل الانتخابات أو إلغائها؟ ويقول قيادي في السلطة الفلسطينية لـِ "المدن"، طلب عدم ذكر اسمه، إنَّ ما قاله الرجوب يمثّل تقدير موقف شخصياً، لكنه ألمح، مع ذلك، إلى احتمالات التأجيل، بدعوى أن هناك جهات تريد "تعطيل وإعاقة الانتخابات"، وليس "لأننا لا نريد إجراءها.. أو أننا غير مستعدين لها". وأشار القيادي المقرب من رئيس السلطة محمود عباس إلى أنّه لا مصلحة للولايات المتحدة وإسرائيل في إجراء الانتخابات الفلسطينية، مبيناً أن واشنطن لم تُعطِ أي "موقف إيجابي" حيال الانتخابات التشريعية حتى الآن. ورداً على سؤال "المدن" حول ما إذا كان يعني بكلامه حتمية التأجيل، قال المصدر إن هذا الاستنتاج ما زال مبكراً، "لأننا ما زلنا نواصل الحوار والاتصالات مع واشنطن، لإقناعها بضرورة الانتخابات وغاياتها، ولم تبلغنا بأي إجابة حتى اللحظة". وبرر هذا القيادي اهتمام السلطة بموافقة أميركا على الانتخابات وعدم وضع "فيتو" ضدها، بمنع إسرائيل من وضع قيود تتسبب بإفشال الانتخابات في مناطق الضفة والقدس، مؤكداً أنَّ أطرافاً أوروبية وإقليمية تشارك في الحوار مع الإدارة الأميركية بخصوص ذلك. الواقع أن الأمر لا يقتصر فقط على ذريعة الموافقة الأميركية والإسرائيلية، بل هناك أيضاً مطالب من داخل حركة "فتح" بضرورة تأجيلها، ذلكَ بسبب الانقسامات والخلافات التي تعصف بالحركة، إلى جانب الخشية من تشكيل فتحاويين غاضبين قوائم موازية تؤدي إلى تشتيت الأصوات وحصول القائمة الرسمية للحركة على نتائج سلبية. وهنا، كشفت معطيات وتصريحات متطابقة من داخل "فتح" لـِ "المدن" أنَّ الخشية الحقيقية لدى قيادة السلطة والحركة ليست من قوائم يعكف عليها فتحاويون غاضبون، مثل قدورة فارس وآخرين، ولا من "قائمة موحدة" مدعومة من تيار القيادي المفصول من "فتح" محمد دحلان وحركة "حماس" وفصائل أخرى.. إنما تتمحور الخشية الأكبر حول عضو اللجنة المركزية والأسير مروان البرغوثي، إذ تراقب قيادة السلطة و"فتح" في هذه الأثناء "أين ينوي الأسير مروان البرغوثي الاصطفاف؟ ومن سيدعم؟". بيدَ أن مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال يرى، في حديث لـِ "المدن"، أنَّ التصريحات والتلميحات الصادرة عن فتحاويين محسوبين على الخط الرسمي للحركة، بخصوص سيناريوهات التأجيل، لها غايتان؛ الأولى رسالة "تنويم للآخرين بما فيهم الخصوم"؛ أي الدفع نحو تقليل مستوى استعدادات المنافسين للانتخابات، وبالتالي تمكين قائمة "فتح" الرسمية من الاستعداد لها بوتيرة أكبر. أما الدافع الثاني للتشكيك بحصول الانتخابات، فهو ما علمه فعلاً بشأن مطالبات فتحاوية في المجلس الثوري للحركة بـِ "ضرورة" تأجيل الانتخابات لنحو 6 أشهر إضافية؛ بدعوى تمكين الحركة بشكل أفضل للانتخابات، في ظل خلافاتها الداخلية و"مخاطر" ملاقاة خسارة مدوية. لكن جفال أوضح أنَّ "فتح" تواصل جهودها على الأرض لبلورة قائمتها الانتخابية، معتقداً أنه مع كل يوم إضافي يصبح أي تأجيل للانتخابات "أصعب" على قيادة السلطة و"فتح"، في ظل ضغوط ومقترحات أوروبية لتفكيك أي ذريعة لتأجيل الانتخابات أو إلغائها. ونوّه جفال بأن هناك محاولات لإيجاد ذرائع متعددة للتأجيل، منها موضوع تحضير غزة لوجستياً للانتخابات، لكنه بيّن أن لجنة الانتخابات المركزية تواصلت مع شركات وجهات لتوفير صناديق انتخابية وغيرها للقطاع، أما قضية الأمن فلها حلول أيضاً. كما كشف جفال أن جهات دولية وأوروبية قدمت مقترحاً لحل مسألة حضور القدس في الانتخابات، عبر وضع صناديق انتخابية في مناطق مصنفة "ب" لتجاوز رفض إسرائيل وضعها داخل القدس. وبالنسبة إلى الموافقة الأميركية من عدمها، أكد مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات لـِ "المدن" أنَّ تجربة الانتخابات المحلية في نيسان/ أبريل الماضي شكّلت "بروفا" لمستوى التنسيق العسكري والأمني واللوجستي، لإنجاح الانتخابات في القرى والبلدات المتاخمة للمستوطنات والتي تتعرض لهجمات مستمرة على يد المستوطن