لا تنتهي الحروب بالضرورة بانتصار عسكري كامل لطرف على آخر، بل قد تنتهي باستسلام أو بتفاوض يفضي إلى تسويات واتفاقات. وفي الحالتين، لا يكون ميزان القوى العسكري وحده هو العامل الحاسم، إذ تتداخل معه عوامل سياسية وشعبية وجيوسياسية، إلى جانب قدرة الأطراف على إدارة قوتها وتحويلها إلى مكاسب سياسية وديبلوماسية. ومن هنا، فإن وضع المواجهة العسكرية في مواجهة التفاوض هو تبسيط لا يعكس طبيعة الصراعات الحديثة. فالتفاوض ليس بديلاً عن القوة، بل غالباً ما يكون امتداداً لها بأدوات أخرى. وكلما امتلك الطرف عناصر قوة متكاملة، عسكرية وسياسية وشعبية وديبلوماسية، كان أكثر قدرة على حماية مصالحه وفرض شروط أفضل على طاولة التفاوض. وفي المقابل، فإن الطرف الذي يدخل المواجهة من موقع الضعف يجد نفسه أمام خطر تقديم تنازلات أكبر، سواء اختار الحرب أو التفاوض. أهداف إسرائيل تتجاوز الميدان الحرب ظاهرة مركبة، ولا تُخاض لتحقيق هدف واحد فقط، بل لتحقيق مجموعة من الأهداف الخارجية والداخلية. وفي الحالة اللبنانية، لا يمكن النظر إلى العدوان الإسرائيلي باعتباره مجرد مواجهة عسكرية مع حزب الله، بل ينبغي قراءته ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في لبنان والمنطقة. فإسرائيل لا تستهدف المقاومة عسكرياً فحسب، بل تعمل على إضعاف البيئة السياسية والشعبية التي تستند إليها، وعلى الضغط على الدولة اللبنانية لمنعها من امتلاك عناصر قوة مستقلة يمكن أن تحد من القدرة الإسرائيلية على فرض إرادتها. ولذلك فإن استهداف القرى الحدودية والتهجير والقتل والتدمير والضغط السياسي والديبلوماسي كلها أدوات في معركة واحدة هدفها إضعاف لبنان وإبقاء قدرته على مواجهة إسرائيل محدودة. حرب إسرائيل على لبنان والمقاومة الحرب الإسرائيلية على لبنان هي في جوهرها مواجهة مع مشروع المقاومة الذي أثبت خلال عقود قدرته على منع إسرائيل من فرض إرادتها على الأراضي اللبنانية. ولذلك تسعى إسرائيل إلى تحويل تفوقها العسكري والتكنولوجي إلى تفوق سياسي دائم، بعدما أثبتت التجارب السابقة أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لإخضاع لبنان أو القضاء على المقاومة. وفي المقابل، تخوض المقاومة مواجهة متعددة الأبعاد: مواجهة عسكرية تمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه الميدانية، ومواجهة سياسية تحافظ على عناصر القوة اللبنانية، ومواجهة شعبية تمنع تحويل العدوان إلى أداة لفرض الاستسلام الداخلي. وهنا يصبح من الخطأ تصوير المقاومة باعتبارها مجرد طرف عسكري منفصل عن الصراع السياسي اللبناني؛ فهي، في نظر مؤيديها، أحد أبرز عناصر القوة التي يمتلكها لبنان في مواجهة التفوق الإسرائيلي، ولا سيما في ظل اختلال كبير في موازين القوى بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. المقاومة والدولة في مواجهة المشروع الإسرائيلي توجد في لبنان مقاربتان متعارضتان لطبيعة مواجهة إسرائيل. الأولى تنطلق من ضرورة حصر قرار الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الرسمية، فيما ترى الثانية أن واقع لبنان، وطبيعة التهديد الإسرائيلي، وعدم امتلاك الدولة القدرة العسكرية الكافية، يجعل الحفاظ على المقاومة وسلاحها جزءاً من منظومة الردع والدفاع عن البلاد. ومن هذا المنظور، فإن طرح مسألة سلاح المقاومة بمعزل عن التهديد الإسرائيلي يؤدي إلى قلب الأولويات. فالمشكلة الأساسية ليست وجود قوة لبنانية قادرة على مواجهة إسرائيل، بل استمرار الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، في ظل عجز الدولة عن بناء قدرة عسكرية توازي هذا التهديد. وعليه، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل السلاح يجب أن ينطلق أولاً من سؤال: كيف يمكن حماية لبنان ومنع إسرائيل من فرض شروطها؟ وليس من سؤال: كيف يمكن نزع أحد أهم عناصر القوة التي راكمها لبنان في مواجهة الاحتلال؟ في لبنان: الدولة تحتاج إلى عناصر قوة إن قيام دولة قوية وقادرة على حماية سيادتها هو هدف لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع وجود المقاومة. بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع جمع عناصر القوة المتاحة لديها وتوظيفها في حماية مصالحها الوطنية. وفي الحالة اللبنانية، لا يمكن تجاهل أن الدولة تعاني منذ عقود من ضعف في قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، فيما تمتلك إسرائيل تفوقاً هائلاً في مجالات التسليح والاستخبارات والقدرات الجوية والتكنولوجية. ولذلك فإن المطالبة بتجريد لبنان من إحدى أهم قدراته الردعية قبل بناء بديل قادر على حماية البلاد تعني عملياً ترك لبنان أمام التفوق الإسرائيلي بلا أدوات كافية لمواجهته. ومن هنا، فإن المعركة على مستقبل لبنان لا ينبغي أن تتحول إلى صراع داخلي يستهلك عناصر قوته، فيما يبقى العدو الإسرائيلي مستفيداً من الانقسام الداخلي. المقاومة جزء من معادلة القوة اللبنانية ما يمكن استخلاصه من هذه المواجهة هو أن التعامل مع إسرائيل يحتاج إلى استراتيجية شاملة لا تفصل بين الميدان والسياس