وثّق تقرير دولي جديد 23 واقعة تحقّق فيها من استخدام القوات الإسرائيليّة ذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين آذار وأيّار 2026، محذّرًا من الآثار الإنسانيّة الخطيرة لهذه الأسلحة، ومن استمرار وجود فراغ قانوني دولي في تنظيم استخدامها. وصدر التقرير، اليوم الخميس، عن منظّمة "هيومن رايتس ووتش" و"العيادة الدوليّة لحقوق الإنسان" في كليّة الحقوق بجامعة هارفارد، تحت عنوان "حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانيّة لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى". ويقع التقرير في 45 صفحة، ويوثّق استخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، إلى جانب استعراض الأضرار التي خلّفتها هذه الذخائر في نزاعات مسلّحة عدّة خلال السنوات الأخيرة، داعيًا إلى تطوير قواعد دوليّة أكثر وضوحًا وصرامة لتنظيمها. وبحسب التقرير، تحقّقت المنظّمتان من 23 واقعة استخدمت فيها القوات الإسرائيليّة ذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين آذار وأيّار 2026. ويشتعل الفوسفور الأبيض فور تعرّضه للأكسجين، ويمكن أن يتسبّب بحرائق واسعة وإصابات بالغة، ولا سيّما عندما يُستخدم فوق مناطق مأهولة. وقالت بوني دوكيرتي، المستشارة الأولى في شؤون الأسلحة لدى "هيومن رايتس ووتش" والمحاضرة في العيادة الدوليّة لحقوق الإنسان، إنّ هذه الذخائر يمكن أن تسبّب "حروقًا بالغة الألم" وآثارًا جسديّة ونفسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة تمتدّ مدى الحياة. ودعت الدول إلى إدانة استمرار استخدامها، وفتح نقاش دولي أوسع بشأنها، وتعزيز القواعد القانونيّة التي تنظّمها بما يتناسب مع الأضرار التي تلحقها بالمدنيين. ولا يقتصر استخدام الفوسفور الأبيض، بحسب التقرير، على لبنان. فمنذ عام 2000، أُبلغ عن استخدام هذه الذخائر في عدد من النزاعات، بينها استخدامها من جانب إسرائيل في قطاع غزة خلال حرب 2008 و2009، ثم في عام 2023، وكذلك من جانب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة خلال العمليات ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا عام 2017. كما أُبلغ عن استخدامها من جانب قوات التحالف بقيادة السعودية في اليمن عام 2016، والقوات الإثيوبيّة في الصومال عام 2007، وقوات حلف شمال الأطلسي والقوات المناهضة للحكومة في أفغانستان بين عامي 2005 و2011، إضافةً إلى استخدام الولايات المتحدة لها في العراق عام 2004. ويرى التقرير أنّ تكرار استخدامها في نزاعات مختلفة يعزّز الحاجة إلى مراجعة القواعد الدوليّة التي تحكم هذا النوع من الذخائر. ويركّز التقرير على إشكاليّة قانونيّة أساسيّة تتمثّل في أنّ ذخائر الفوسفور الأبيض، رغم آثارها الحارقة، لا تخضع لمعاهدة دوليّة مخصّصة لها. فالبروتوكول الثالث لعام 1980 الملحق باتفاقيّة الأسلحة التقليديّة ينظّم استخدام الأسلحة الحارقة، لكنه يعرّف هذه الأسلحة بأنّها تلك المصمّمة "أساسًا" لإشعال الحرائق أو إحراق الأشخاص. وبحسب التقرير، يؤدي هذا التعريف إلى استثناء ذخائر الفوسفور الأبيض عندما تُصنّف وظيفتها الأساسيّة على أنّها حجب الرؤية في العمليات العسكريّة أو إضاءة مناطق القتال، حتى عندما تؤدي فعليًّا إلى حروق وإصابات مماثلة لتلك التي تسبّبها الأسلحة الحارقة. وترى "هيومن رايتس ووتش" وعيادة هارفارد أنّ هذا الاستثناء يخلق فراغًا قانونيًّا خطيرًا، يسمح ببقاء أسلحة ذات آثار حارقة مدمّرة خارج القيود الأشدّ المفروضة على الأسلحة الحارقة التقليديّة. كما قيّمت المنظّمتان استخدام الفوسفور الأبيض بالاستناد إلى "شرط مارتنز"، وهو مبدأ في القانون الدولي الإنساني يقضي ببقاء المدنيين والمقاتلين تحت حماية مبادئ الإنسانيّة ومقتضيات الضمير العام عندما لا توجد معاهدة دوليّة محدّدة تنظم سلاحًا أو مسألة معيّنة. ويرى التقرير أنّ طبيعة الإصابات التي تخلّفها ذخائر الفوسفور الأبيض تجعلها من الحالات التي ينبغي تطبيق هذا الشرط عليها. فالفوسفور قد يحرق الأنسجة حتى العظم، ويمكن للجزيئات المتبقيّة داخل الجروح أن تشتعل مجدّدًا عند تعرّضها للأكسجين، بما في ذلك أثناء إزالة الضمادات، ما يزيد صعوبة العلاج ويضاعف معاناة المصابين. واعتبر التقرير أنّ المواقف الصادرة عن دول ومنظّمات دوليّة وهيئات طبيّة ومؤسّسات من المجتمع المدني، إضافةً إلى جهات ماليّة، تعكس تزايد الاعتراض على استخدام هذه الذخائر. وترى المنظّمتان أنّ هذه المواقف تشكّل دليلًا إضافيًّا على تعارض آثار الفوسفور الأبيض مع مبادئ الإنسانيّة ومقتضيات الضمير العام. وعليه، دعت "هيومن رايتس ووتش" وعيادة هارفارد إلى وضع قواعد دوليّة أكثر تحديدًا وصرامة لمعالجة استخدام الفوسفور الأبيض، ولا سيّما في المناطق المأهولة بالسكان. ويعيد التقرير، من خلال توثيقه 23 واقعة في جنوب لبنان خلال ثلاثة أشهر فقط، وضع استخدام إسرائيل لهذه الذخائر في صلب النقاش القانوني والحقوقي الدولي، ليس فقط لناحية تقييم الوقائع الميدان