قد لا تحظى حاسة الشمّ بالاهتمام نفسه كالحواس الأخرى، إلّا أنَّ تعليم الأطفال ملاحظة الروائح، تمييزها ووصفها، قد يُسهم في تعزيز رفاههم ومساعدتهم على فهم العالم من حولهم. يُشير المؤرّخ المتخصّص في تاريخ الروائح، الدكتور ويل توليت، إلى أنَّ التلوّث يُمكن أن يُؤثّر سلباً في قدرة الإنسان على الشمّ، في وقت أصبحت فيه روائح العديد من المنتجات والأماكن الحديثة مختلفة عمّا كانت عليه سابقاً. بعض المواد، بدءاً من أنواع السمن الصناعي، وصولاً إلى داخل السيارات وحتى المنازل، باتت تُجرّد من روائحها الأصلية وتُستبدل بها تلك الصناعية. يرى الباحث أنَّ هذه التغيّرات تجعل من الضروريّ تعزيز ما يُمكن وصفه بالتثقيف الشمّي، داعياً إلى تعليم الأطفال طريقة استخدام حاسّة الشمّ بوعي منذ سنوات الدراسة الأولى. تدريب الأطفال على الانتباه إلى الروائح لا يقتصر على المدرسة، بل يُمكن للأهل أيضاً القيام بذلك في المنزل من خلال تشجيعهم على شمّ الأشياء المختلفة ومحاولة وصفها. فكلّما تعرّف المرء روائح أكثر، أصبح قادراً على بناء حصيلة أكبر من الكلمات والمراجع التي تُساعده على وصف ما يشمّه. خبراء تذوّق النبيذ - على سبيل المثال - يعتمدون نهجاً مشابهاً، إذ يتعرّضون باستمرار لمجموعة واسعة من الروائح لتوسيع قدرتهم على المقارنة والتمييز بينها. ولا يقتصر الأمر على معرفة ما إذا كانت رائحة معيّنة جميلة أو مزعجة، بل يتعلّق بالقدرة على ملاحظة أوجه التشابه والاختلاف بين الروائح وربطها بتجارب ومواقف مختلفة. يرى توليت أنَّ الاهتمام بالروائح قد يُساعد على فهم الذات بصورة أفضل، خصوصاً عند التفكير في سبب ارتباط بعض الروائح لديه بشعور بالراحة، الحنين أو الطمأنينة. كذلك، يُمكن لحاسة الشمّ أن تُقدّم معلومات عملية مهمّة في الحياة اليومية. يُساعد شمّ الطعام في تحديد ما إذا كان لا يزال طازجاً وصالحاً للاستهلاك، بدلاً من الاعتماد حصراً على تاريخ انتهاء الصلاحية. وهناك دراسات عدّة تُوثّق الارتباط بين القدرة على الشمّ، الاستمتاع بالروائح والشعور بالرفاه. إلى ذلك، قد يترافق فقدان حاسة الشمّ بظهور أعراض مثل الاكتئاب، القلق وغيرها من المشكلات النفسية. يشير توليت، الذي أصدر كتابه "Sniff: A History of Smells" في الثامن من أيلول/سبتمبر، إلى اعتقاد شائع مفاده أنَّ الماضي كان أكثر نتانة من الحاضر، لكنَّ الصورة أكثر تعقيداً من ذلك. الروائح تُعيد تشكيل فهمنا للعالم (Pexels) كيف تُؤثّر الروائح في نظرتنا إلى الآخر؟ يتوقّف الباحث توليت عند مشروع قانون في البرلمان البريطاني كان من شأنه تجريم الأشخاص الذين ينامون في الشوارع بسبب ما اعتبره القانون "روائح مفرطة". من هنا، يدعو إلى التوقّف عند أسباب اعتبارنا رائحة ما لطيفة أو منفرة، والتفكير في الطريقة التي تشكّلت بها هذه الانطباعات، وكيف يُمكن أن ينظر إليها أشخاص آخرون. زيادة الوعي بمواقفنا تجاه الروائح، والتحلّي بمزيد من التعاطف مع تفضيلات الآخرين، قد يُساعدان في الحدّ من استخدام حاسة الشمّ كوسيلة لبناء الحواجز بين الناس. تأخذ الروائح غالباً دلالتها من أوقات، أماكن، وسياقات محدّدة؛ لذلك قد تُصبح بعض الحالية منها علامات مميّزة للقرن الحادي والعشرين في بريطانيا. من بين الأمثلة التي يطرحها الباحث: رائحة معقّم اليدين، روائح حرائق الغابات وتلوّث المياه. ويُحذّر من أنَّ رائحة الحطب المحترق التي تحمل لدى كثيرين اليوم دلالات الحنين والذكريات، قد تتحوّل مع تزايد حرائق الغابات وتغيّر المناخ إلى رائحة تُثير الخوف والقلق، بعدما كانت تبعث الحنين. وهكذا، تظلّ حاسة الشمّ نافذةً فريدةً من ذاكرتنا ومشاعرنا، فيما يكتسب "التثقيف الشمّي" أهمية متزايدة لا تقتصر على تنمية الحاسة لدى الأطفال، بل تمتد إلى تعزيز التعاطف وفهم أعمق لأنفسنا والآخرين.