في كلامه الأخير، رفع سمير جعجع سقف انتقاداته لأداء العهد والحكومة، متوقفاً عند ملفات تتصل بحصرية السلاح بيد الدولة، والإصلاح الاقتصادي، وفاعلية المؤسسات، إلى جانب ملاحظاته على إدارة بعض الملفات الحكومية، منها دور وزير الخارجية يوسف رجّي. وفي خلفية هذه المواقف، بدا أن رئيس «القوات اللبنانية» لا يكتفي بتسجيل اعتراض سياسي، بل يطالب بنتائج ملموسة من مرحلة كان من أبرز الداعمين لقيامها. بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع كلام جعجع الأخير بوصفه مجرد انتقاد سياسي عابر؛ فالرجل الذي كان يرى في انتخاب عون وتكليف سلام فرصة لإعادة إطلاق مشروع الدولة، بدا في موقفه الأخير كأنه يفتح دفتر الحساب: ماذا تحقق؟ أين تعثّر المسار؟ ولماذا لا تزال المسافة واسعة بين القرارات التي تتخذها السلطة والنتائج التي يفترض أن يلمسها اللبنانيون؟ لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان سمير جعجع لا يزال داعماً لجوزاف عون ونواف سلام بقدر ما أصبح: ماذا بقي من الرهان الذي بنَت «القوات اللبنانية» عليه موقفها من العهد والحكومة؟ المفارقة أن جعجع لا يهاجم مشروع المرحلة الجديدة من أساسه. على العكس، هو يحاكمها بالمعيار الذي قامت عليه. دولة المؤسسات، حصرية السلاح، الإصلاح، استعادة الثقة، وتعزيز القرار السيادي: هذه ليست شعارات أضافتها «القوات» لاحقاً إلى أجندتها، بل العناوين التي جعلتها تراهن على العهد والحكومة منذ البداية. لكن الرهان شيء، والنتيجة شيء آخر. فبعد انتخاب عون، ثم تشكيل حكومة سلام، ارتفع سقف التوقعات السياسية والشعبية إلى حد كبير. كان المطلوب أن تبدأ الدولة باستعادة زمام المبادرة بعد سنوات من الانهيار والتعطيل. ومع مرور الوقت، بدأ السؤال الأصعب يفرض نفسه: هل نحن أمام دولة تستعيد سلطتها فعلاً، أم أمام سلطة تعلن قرارات الدولة فيما لا تزال عاجزة عن تحويلها كلها إلى واقع؟ هذا تحديداً هو المدخل إلى موقف جعجع. ففي ملف السلاح – مثلاً - لا يجادل أحد في أن الحكومة اتخذت قراراً يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. لكن جعجع يريد الانتقال إلى المرحلة التالية: التنفيذ. بالنسبة إليه، لا تُقاس قوة الدولة بمجرد قدرتها على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على جعله نافذاً. وهنا يصطدم طموحه بحسابات السلطة الأكثر تعقيداً، من وضع الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية إلى التوازنات الداخلية وقدرات الجيش وحدود الممكن سياسياً وأمنياً. لكن المشكلة، من وجهة نظر جعجع، هي أن الظروف الصعبة لا يمكن أن تتحول إلى حالة دائمة تبرر التأجيل.وهذه النقطة هي الأكثر إحراجاً لعون وسلام. فالعهد والحكومة يستطيعان القول إن لبنان لا يُدار في ظروف طبيعية، وإن ما خلفته الحرب والأزمة المالية والانقسامات السياسية لا يمكن إصلاحه بقرار واحد؛ وهذا صحيح. لكن جعجع يطرح سؤالاً آخر: إذا كانت كل هذه التعقيدات معروفة منذ اليوم الأول، فلماذا لم تكن التوقعات السياسية أكثر تواضعاً؟ وإذا كان حجم الأزمة يفرض التدرّج، فما هو الجدول الذي يسمح للبنانيين بمعرفة متى يصبح التدرج إنجازاً ومتى يتحول إلى تأجيل؟ في الاقتصاد تتكرر المعادلة نفسها.فاللبنانيون لا ينتظرون خططاً إضافية بقدر ما ينتظرون بداية حلّ لأزمة الودائع، وإصلاح القطاع المصرفي، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة. وجعجع يضع قانون الفجوة المالية في قلب هذا المسار، فيما تقول الحكومة إن الملف يسير ضمن مسار تشريعي وإن جزءاً أساسياً من مسؤولية إقراره يعود إلى مجلس النواب. وهنا يظهر اختلاف جوهري في زاوية النظر: السلطة تنظر إلى مسار طويل ومعقد، فيما جعجع ينظر إلى النتيجة التي كان يفترض أن تبدأ بالظهور. فالخلاف حول وزير الخارجية يوسف رجّي أضاف طبقة أخرى إلى المشهد. بالنسبة إلى جعجع، المسألة ليست بروتوكولية بقدر ما ترتبط بموقع الوزير ودور المؤسسات، خصوصاً أن رجّي محسوب سياسياً على «القوات». أما سلام، فيؤكد أن السياسة الخارجية تُرسم داخل مجلس الوزراء، وأن مشاركة الوزراء في الزيارات الرسمية تحددها طبيعة كلّ زيارة وجدول أعمالها. ظاهرياً، يبدو الخلاف تفصيلاً. لكنه سياسياً هو أكثر من ذلك، لأنه يعيد طرح السؤال نفسه الذي يلاحق جعجع في كل انتقاداته: هل تعمل المؤسسات وفق قواعدها، أم أن إدارة السلطة لا تزال خاضعة للاعتبارات السياسية والشخصية التي يفترض أن تكون المرحلة الجديدة قد تجاوزتها؟ من هنا، يصعب اختزال العلاقة بين جعجع وعون وسلام في معادلة «موالاة مقابل معارضة». جعجع ليس في موقع من يريد إسقاط العهد أو نسف الحكومة، كما أن عون وسلام لا يقدمان نفسيهما كخصمين للمشروع الذي تتحدث عنه «القوات». الخلاف الحقيقي يدور في مكان أكثر دقة: كيف تُبنى الدولة، وبأي سرعة، وما الحد الفاصل بين الواقعية السياسية والتأخير؟ وهذا ما يجعل موقف جعجع بالغ الحساسية. فهو لا يطالب السلطة بأن تصبح شيئاً مختلفاً عما وعدت به، ب