مناورات ذات عقلانية:يتداعى إلى الذاكرة مشهد خدر وهو يطير، رفقة سمسارٍ لرئيس محكمة أمن الدولة السورية، فايز النوري، من مطار القامشلي إلى دمشق. وهناك، في مزرعة النوري، يشير الأخير إلى حاجته إلى فلاح ماهر، فيناور خدر:ـ صدقني، الموقوف أنشط فلاح في الجزيرة.ثم يلمح بطرف عينه وحاجبه إلى الوسيط ـ المفتاح، ليسارع إلى مفاتحة مشغّله القاضي بـ"الحلوانية الدسمة" الموعودة، لقاء إطلاق قريبه "كنعان"، المعتقل في صيدنايا لنشاطه في القضية الكردية، أو تخفيف حكمه.ومن طُرَف سيرة خدر، التي لايزال الجيران يروونها، أن لصاً وقع في دائرة شكّه، فأمهله يومين؛ فإذا بالمسروقات تتكوّم، بقدرة قادر، فجر اليوم التالي على باب بيته.ولعل هذه الفطنة، إلى جانب حكمته وقوة حجته وصدقه وحبه للناس وإصراره على قول الحق، أكسبته حضوراً ملحوظاً في مجتمعه "الجزراوي"، ومهّدت له علاقات ودية بمختلف مكوّناته، من عرب وكرد وأرمن وآشوريين وسريان وشيشان.ومن خالطه عن قرب، لمس في هدوئه ورزانته، وميله إلى الدعابة، بديهةً يقظةً وطاقةَ إقناع بارزة، تؤهله للجم كل من يتجاوز حدّه.وإلى جانب حضوره الاجتماعي، دفعه فضوله المعرفي إلى ما هو أبعد؛ فعُرف بمعرفته الدقيقة بقرى الإيزيديين وعشائرها في "ويرانشهر" التركية، قريةً قرية، وشارك في وفدٍ تشكّل بمبادرة الأستاذ "سينان حمو أيو"، وقصد عبد الله أوجلان في دمشق منتصف الثمانينيات، للمساهمة في تسوية بعض المشكلات الاجتماعية للإيزيديين في تركيا.ولم يقف شغفه عند "ويرانشهر"؛ بل امتد إلى قرى "شنكال" ومجمعاتها في العراق، رغم أنه لم يزرها قط. فكان يعرف مواقع قراها، وما إذا كانت في شمال الجبل أم جنوبه؛"قُبلَتْ"، وعشائرها، وما يتصل برجالاتها من قصص وأخبار وتواريخ.عِلم غير المتعلم:ورغم أنه لم يقعد إلى معلّمٍ مدرسي، أدرك قيمة العلم، فصمّم على أن نتابع، إخوتي وأنا، فضلا عن أولاد عمي وإخوته، دراستنا. وأذكر، في ما أذكر، أنه أصرّ على أن ألتحق بمعسكر الصف العاشر الصيفي، مع إمكان تأجيل ذلك إلى صيف لاحق من المرحلة الثانوية، قائلاً:ـ لا نعلم ماذا تخفي الأيام في السنة المقبلة.وتحدى بذلك ضائقته المالية في تلك السنة، مؤثراً ألّا أحمل من المسؤوليات سوى مسؤولية دراستي.ولا يغيب عن الذهن طرقه، بمساندة أصدقاء، قبل ثلاثة عقود، باب وزير التربية في دمشق، متظلماً لابن أخيه، قائلاً:ـ لا نريد أكثر من حقوقنا، يا معالي الوزير.فهزّ الوزير رأسه، وبادر إلى تشكيل "لجنة إعادة جمع العلامات" التي انتصرت للمظلمة، وأعادت إلى "الرياضيات" علاماتها العشر الشريدة، فأتاحت للولد دراسة الطب البشري في حلب، ثم التخصص في أمراض الجهاز الهضمي في جامعات الولايات المتحدة ومستشفياتها، التي تشهد له الآن بكفاءته.وعلى هذا النحو انجذب إلى العلم والثقافة والمثقفين، وكأنه أراد أن يرى في أبناء عائلته ما لم يتح له أن يحققه لنفسه من تعليم.ختامها قبل الشهقة بابونج:الطبيب المصري، الذي خِلته أفغانياً وتوهّمني هندياً، استدرجني بملامح باهتة إلى البهو، وتنهد:ـ المرض السافل، مع الأسف، مستفحل.شرح قبل أن أسأله، بلكنة متعثرة كادت أن تجعل من ألمانيته لغة أخرى:ـ أستبعدُ التدخلَ الجراحي، وكذلك العلاج الكيميائي.فاستملتُه منكسراً:ـ كيف، يا دكتور؟ ولمَ؟فردّ ببرودة أعصاب:ـ صحته لا تتحمل.ثم استدرك، وأنا أتأمله فاغراً فمي:ـ هناك، طبعاً، خيار آخر.بادرت، كمن يقبض على قشّة نجاته، متذللاً في طلبي:ـ أرجوك، دكتور.أوضح:ـ العلاج بالأشعة.ثم، وقبل أن أتنفس الصعداء، عاد فأحبطني:ـ لكن هزاله من جهة، والباركنسون من جهة أخرى...فقاطعتُه، من فرط نرفزتي:ـ أنت تغلق الأبواب كلها.فأجاب، وكأنه يبرئ ساحته:ـ ليس أنا؛ هذا واقع صحة المريض.خضر حمو، صديقي ـ أعني والدي ـ أسلم الروح بهدوء صاخب. لم يكترث هذه المرة أيضاً بالمرض المتنمر، ولم يجادلنا، كما فعل يومها مع طبيب القامشلي. عانى، وشكا، وتذمّر منذ وصوله إلى ألمانيا من المرض والغربة والشيخوخة والحال؛ لكن السرطان لم يهزمه، بل ضاق قلبه الوسيع فتولَّتْه الملائكة.تشكّى، فجر التاسع عشر من تموز هذا العام، قرابة الثالثة، من حرقة في الصدر، فانتفضنا، أختي الكبرى (ع) وأنا، حوله.استعجلتْ (ع)، كذئبة، إلى فتح النوافذ، ثم أسعفتْه بـ"بخاخ القصبات"، ومسّدتْ صدره قليلا، وطلبتْ مني، بنرفزة ظاهرة، أن أتابع عنها المهمة، وهرعتْ إلى المطبخ، فأحضرتْ كَمَّادة مائية، ودثرتْ موضع الشكوى بدفء الماء ولطف عنايتها.ثم أمرتني بلهجة ضابط حربي أن أحكم يدي على الكمادة، ورقّتْ له:ـ هل أحضر لك كأسا من البابونج؟ـ كما تشاؤون.ردّ بلا مبالاة.فتناهى إلينا صوت ضيفتنا أختي الصغرى (هـ)، التي أفاقت على ضجيجنا من الغرفة الأخرى:ـ سأتكفل أنا بالبابونج.شرب كأسه الأولى، فبردت حرقة صدره قليلاً، ثم رغب في كأس أخرى.وأشار إلى أن ننقل رأسه إلى الطرف الآخر من السرير. حاو