بعد قرابة أربعة أشهر على نيل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الثقة بتشكيلة غير مكتملة، عادت أزمة الوزارات التسع الشاغرة إلى واجهة المشهد السياسي في العراق، بعدما تحولت من خلاف على أسماء المرشحين إلى صراع على النفوذ والحصص داخل الإطار التنسيقي، الائتلاف الحاكم والداعم للحكومة. فالمفاوضات التي كان يفترض أن تنتهي بإرسال بقية الأسماء إلى مجلس النواب دخلت مساراً أكثر تعقيداً بعد تفجر الخلاف حيال استحداث مناصب نواب لرئيس الوزراء، وخصوصاً بين "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي و"حركة صادقون"، الجناح السياسي لـ"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي. وكان مجلس النواب قد منح، في 14 أيار/مايو، الثقة للزيدي و14 وزيراً من أصل 23، فيما بقيت 9 وزارات من دون وزراء أصيلين، بينها الداخلية والدفاع والتخطيط والتعليم العالي والإعمار والإسكان والثقافة والعمل والشؤون الاجتماعية والشباب والرياضة والهجرة والمهجرين. ومنذ ذلك الحين، تحولت الحقائب الشاغرة إلى جزء من عملية أوسع لإعادة احتساب الاستحقاقات السياسية وفق الأوزان النيابية، بحيث بات أي تعديل في منصب واحد قادراً على فتح بقية التفاهمات من جديد. رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي خلال لقاء سابق في بغداد. (أرشيف) الخلاف ينتقل إلى نواب رئيس الوزراء التطور الأبرز ظهر في اجتماع الإطار التنسيقي الأخير، الاثنين، حين انفجر خلاف بين المالكي والخزعلي بشأن مشروع نواب رئيس الوزراء. وبحسب مصادر تحدثت إلى “النهار”، رفض المالكي الصيغة المطروحة، ما انعكس مباشرة على النقاش المتعلق باستكمال الكابينة. وتقاطعت هذه المعطيات مع معلومات سياسية أفادت بأن منصب نائب رئيس الوزراء كان يُحتسب ضمن مفاوضات تقاسم النفوذ بما يعادل 12 مقعداً نيابياً، الأمر الذي جعل إلغاءه أو تعديل صيغته يفرض إعادة حساب حصص القوى داخل الحكومة. وفي قلب الخلاف برز اسم ليث الخزعلي، مرشح "صادقون" لمنصب نائب رئيس الوزراء، وسط اعتراضات داخل "دولة القانون" على المضي بالترشيح بصيغته الحالية. ومع اتساع التوتر، أجرى الزيدي الثلاثاء اتصالاً بالمالكي في محاولة لاحتواء الأزمة ودفع المفاوضات نحو تسوية تسمح باستكمال الحكومة. لكن الاتصال لم يحسم أصل المشكلة. فالمعادلة أصبحت أوسع من هوية من يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، إذ إن إسقاط هذا المنصب من حسابات التوزيع، أو تغيير المرشح له، يعيد تلقائياً طرح السؤال عن المقابل الذي ستحصل عليه الكتلة المعنية داخل الوزارات والمواقع التنفيذية. في هذا المعنى، تبدو أزمة الحقائب التسع انعكاساً لصراع أكبر على شكل السلطة داخل الإطار. فكل حقيبة تحمل وزناً سياسياً وإدارياً ومالياً، وأي انتقال لها بين كتلتين يبدل حجم النفوذ الذي تمارسه كل قوة داخل مؤسسات الدولة. الإطار أعلن بعد اجتماعه الأخير المضي في تسمية الوزراء المتبقين، لكن مصادر سياسية أكدت أن الاجتماع نفسه "لم ينتج تسوية نهائية". وهذه الفجوة بين قرار “المضي” وعدم الاتفاق على آلية التوزيع تفسر لماذا تعثرت مواعيد سابقة أُعلنت لاستكمال الحكومة. وكان الزيدي قد أبلغ قوى الإطار في نهاية آب/أغسطس بأن النقاشات ستُستكمل تمهيداً لإرسال الأسماء إلى البرلمان، إلا أن الخلاف الجديد أعاد جزءاً من التفاهمات إلى نقطة المراجعة، وخصوصاً ما يتصل بالعلاقة بين عدد المقاعد النيابية وحصة كل كتلة من الوزارات والمناصب العليا. وبحسب مصادر “النهار”، تتمسك القوى الرئيسية بعدم خسارة استحقاقاتها نتيجة إلغاء أو تعديل صيغة نواب رئيس الوزراء، ما يعني أن الوصول إلى قائمة نهائية للوزراء يحتاج أولاً إلى صفقة متكاملة تعيد تثبيت حصص الأطراف. الزيدي خلال جلسة البرلمان لتقديم حكومته في بغداد، 14 أيار/مايو 2026. (مكتب الرئاسة العراقية) الداخلية والدفاع في قلب الأزمة تزداد حساسية التعطيل مع بقاء وزارتي الداخلية والدفاع ضمن الحقائب غير المحسومة، في وقت تواجه الحكومة ملفات أمنية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة والاستحقاقات المرتبطة بموعد 30 أيلول. وجود وزارتين أمنيتين بهذا الوزن خارج التشكيلة المكتملة يضاعف الطابع السياسي للأزمة. فاختيار وزير الداخلية، تحديداً، ارتبط منذ البداية بتجاذبات داخل القوى الشيعية، بينما بقيت وزارة الدفاع جزءاً من تفاوض أوسع مع القوى السنية. لهذا، يصعب فصل استكمال الحكومة عن الصراع داخل الائتلاف الحاكم نفسه. الإطار نجح في إنتاج مرشح لرئاسة الوزراء وتأمين الثقة لحكومته جزئياً، لكن الانتقال من التوافق على العناوين العامة إلى توزيع المواقع التنفيذية كشف حدود هذا التفاهم. كلما تأخر الحسم، اتسعت مساحة الإدارة بالوكالة وازدادت كلفة التعطيل على حكومة الزيدي، التي تحتاج إلى وزراء أصيلين لتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن مل