لم يكن الطب من ضمن خطط البروفسور جمال الأيوبي. لم يكن ذلك الطفل الذي يحلم بالمعطف الأبيض أو يتخيّل نفسه يوماً داخل غرفة جراحة. كان يرى مستقبله بين الفيزياء والرياضيات، ويحلم بأن يصبح مهندساً. لكن الحرب في لبنان أعادت رسم الخريطة. غادر إلى فرنسا، وهناك بدأ بدراسة العلوم، وحصل على ماجستير في الفيزياء والكيمياء والكيمياء الحيوية، بالتوازي مع دراسة الطب. شيئاً فشيئاً، تغيّر السؤال من "لماذا الطب؟" إلى مسيرة كاملة كرّسها له. في حديثه ضمن "بودكاست مع نايلة"، يستعيد الأيوبي مع نايلة تويني رحلةً لم يخطط لها، لكنها أوصلته إلى إحدى أبرز المؤسسات الطبية والأكاديمية في فرنسا. من طالب لبناني إلى أستاذ في فرنسا لم تكن الطريق إلى المؤسسة الطبية الفرنسية بديهية؛ لكن الأيوبي أصبح أول أستاذ غير فرنسي يدخل كلية الطب في تولوز بصفة أستاذ، قبل أن تتوسع مسيرته في الطب والتعليم والبحث. اليوم، يرأس قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى فوش، ويتولى مسؤوليات أكاديمية في جامعة باريس-ساكلاي، وهو عضو في الأكاديمية الوطنية للطب في فرنسا. غير أنّ أكثر ما يعلق في ذاكرته ليس بالضرورة منصباً أو لقباً؛ إنها جراحة استمرت 21 ساعة. من السابعة صباحاً حتى الأولى بعد منتصف الليل دخل الأيوبي غرفة الجراحة عند السابعة صباحاً. مرّ الظهر، ثم المساء، ثم منتصف الليل، فيما كان الفريق لا يزال يعمل. لم تنتهِ الجراحة إلا عند الأولى بعد منتصف الليل. البروفسور جمال الأيوبي في “بودكاست مع نايلة“. (النهار) كانت زراعة رحم، من أكثر الجراحات تعقيداً، لكنها بالنسبة إلى المرأة التي خضعت لها كانت تعني شيئاً أبسط وأكبر في الوقت نفسه: فرصة لأن تصبح أمّاً. الجراحة فتحت باباً أمام نساء فقدن أرحامهن بسبب السرطان أو ظروف صحية أخرى. وبعد نجاح التجربة، جاءت اللحظة التي أعطت لكل تلك الساعات معناها: ولادة طفل بعد عملية الزرع. لم يعد الإنجاز مجرد نجاح جراحي. امرأة استعادت إمكان الحمل، وطفل جاء إلى الحياة من رحم مزروع، وما كان يبدو مستحيلاً أصبح حقيقة طبية. وربما لهذا السبب، لم تصبح الولادة بالنسبة إلى الأيوبي مشهداً عادياً، رغم كل السنوات التي أمضاها في الاختصاص. "الحياة كنز"، يقول. ولا تزال ولادة طفل قادرة على إثارة دهشته وعاطفته كما في البدايات. هذه الإنسانية لا تنفصل، في نظره، عن الطب. فالطبيب ليس آلة تشخيص، والمريض ليس ملفاً طبياً. يؤمن الأيوبي بأن من حق المريض أن يأخذ وقته، أن يسأل ويفهم، وأن يسمع من طبيبه حتى عبارة "لا أعرف" عندما لا تكون الإجابة موجودة. ولطلابه، يكرر ثلاث قيم: التفاني، والإنسانية، و"التعقيم اللفظي"؛ أي أن يتنبه الطبيب إلى كلماته بقدر تنبهه إلى أدواته. فطريقة إخبار المريض بمرضه قد تكون جزءاً من تجربته العلاجية. نايلة تويني وضيفها البروفسور جمال الأيوبي. (النهار) واللافت أن الرجل الذي بدأ رحلته مفتوناً بالعلوم يعود إليها اليوم من باب الذكاء الاصطناعي. يتوقّع الأيوبي أن تساعد هذه التكنولوجيا في تغيير فهم الطب للخصوبة والعقم والسرطان. فإلى جانب عوامل معروفة كالتدخين والسمنة والاضطرابات الهرمونية والتلوث، قد يكشف تحليل البيانات روابط لم يكن الأطباء قادرين على رؤيتها سابقاً، ما قد يفتح المجال أمام تشخيص ووقاية أكثر دقة. وبين فرنسا التي صنعت مسيرته الأكاديمية ولبنان الذي بقي حاضراً في هويته، لا يتعامل الأيوبي مع كل ما حققه كأنه خاتمة الرحلة. يقول إن أمامه سبعاً إلى عشر سنوات أخرى يريد أن يمنحها للطب والتعليم، إذا منحه الله العمر. وفي النهاية، تحمل قصته مفارقة صغيرة تختصر عقوداً كاملة: الرجل الذي لم يحلم يوماً بأن يصبح طبيباً، لو عاد به الزمن، لاختار الطب من جديد.