إذا كان "نداء النّبطية الثاني" هو النداء الذي حمل أكثر من 400 توقيع لأهالي النبطية، ليطالب بتثبيت وجود الدولة اللبنانية في الجنوب بعد "النّداء الأول" الذي أطلق في 29 أيار الماضي، فلعل "نداء النبطية الثالث"، بالمعنى الرمزي، يُختصر بمشهدية المرأة الجنوبية "ناثرة" الأرزّ على الجيش اللبناني بعد أقل من 24 ساعة على النداء الثاني. وما بين الندائين الأول والثاني، سقوط "بوابة النبطية"، أو "تلة علي الطاهر" بيد إسرائيل، بعد أن فضّل "حزب الله" واقع احتلالها على تسليمها للجيش اللبناني، وليس هذا غريبًا على سلاح غير شرعي، يعتاش من تقويض الدولة وسلاحها الشرعيّ. وإذا كان دور "نداء النبطية الأول"، دقّ ناقوس الخطر، بعد اعتداءات إسرائيل على قلعة الشقيف، ومنع تمدد الاعتداءات والاحتلال لعمق النبطية، فإن "نداء النبطية الثاني" يأتي عمليًا بعد سقوط تلة علي الطاهر، لينقل لهجة النداء لمستوى أوضح وأقسى: إن تجاه "حزب الله"، أو دور الدولة اللبنانية وضرورة فرض سيادتها في النبطية، بعدما أصبح احتلال تلة الطاهر واقعا. توقيت نداء النبطية الثاني، تقاطع مع تيقظ بعبدا لضرورة تثبيت "الدولة" جنوبًا. إذ ترأس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس اجتماعًا أمنيًا حضره قائد الجيش، والمدراء العامون للأجهزة الأمنية، للبحث في الاوضاع الأمنية في الجنوب والنبطية خصوصًا، مشددًا على أن أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات ومساسًا بالسيادة الوطنية، معتبرًا أن الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أن ضبط الأمن الداخلي يعزز الموقف اللبناني الرسمي. فماذا بين الندائين؟ وماذا عن أهمية احتضانهما شعبيًا؟ وهل تمنع الدولة اللبنانية اليوم سقوط النبطية بالكامل؟ جاء نداء النبطية رقم واحد، في 29 أيار الماضي، كمحاولة لاستباق السقوط، مطالبًا بـ"إبعاد لبنان والجنوب عن سياسات المحاور وحروب الآخرين، كي لا تكون النبطية والجنوب ورقة في مفاوضات إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، مع فرض سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها". في حينه كان الإسرائيليّ وصل إلى بلدات قضاء النبطية ومشارف النبطية الفوقا، مع اعتداءات طالت قلعة الشقيف التاريخية. أما اليوم فباتت علي الطاهر نفسها ساقطة عسكريًا والخطر على النبطية قضاء ومدينة يتوسع، مع بقاء سياسة "حزب الله"، سياسة محاور تولي مصالح إيران على لبنان. فما خشيه الموقّعون، وقع قبل أن تستعيد الدولة المبادرة. إذ حاول أهالي النبطية تجنيب مدينتهم كأس الاحتلال المرّ، لكن "حزب الله" فضّل سقوط علي الطاهر، "بوابة النبطية" كنقطة استراتيجية، بيد الاحتلال الإسرائيليّ، على تسليمها للجيش اللبناني. فانتقلت التحذيرات من اعتداءات على قلعة الشقيف إلى احتلال علي الطاهر. سقوط تلّة علي الطاهر، كمرتفع استراتيجي يتخطى المعنى الرمزي للمعنى العسكري، فتمركز إسرائيل فيها يمنحها إشرافًا دقيقًا على المدينة، وإذا ما ترافق مع تصعيد في الضربات الجوية الدقيقة، فسيعني استحكامًا ودمارًا ليس في قرى حدودية، بل في مدينة هي مركز وشريان اقتصادي جنوبي أساسي. من هنا يفهم نداء النبطية 2، ليس كصرخة استباقية، بل كإنذار أخير، وقّع عليه أكثر من 400 شخص من أهالي النبطية وحظي بتأييد وطني، وجاء ليؤكّد 3 أفكار أساسية: إسرائيل مسؤولة مباشرة عن العدوان والاحتلال، "حزب الله" مسؤول عن الخيارات التي قادت إلى النتيجة. والدولة مسؤولة عن الغياب والانكفاء، وحماية النبطية تمر حصرًا عبر عودة الدولة الغائبة والمنكفئة. وتحميل "حزب الله" مسؤولية بشكل واضح وحازم، وكذلك تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية فرض دورها في حماية النبطية، جاءا في النداء الثاني ليرفعا من سقف الخطاب السياسي، على وقع ارتفاع ناقوس خطر تهديد النبطية. ومن أبرز ما جاء في النداء، اعتبار "العدو الإسرائيلي المسؤول الأول والمباشر عن العدوان والقتل والاحتلال والتدمير". لكن "وضوح مسؤولية العدو لا يمحو مسؤوليات الداخل، بل يجعلها أشد إلحاحًا". ويعتبر موقعو النداء على صعيد تحميلهم "حزب الله" مسؤولية، أن "المسؤولية عن الخيارات والقرارات والمواقف تقع على من اتخذها أو غطّاها أو سكت عنها. ومن أمسك طوال سنوات بقرار الحرب والأمن، وقال للجنوبيين إنه الأقدر على حمايتهم، عليه أن يجيب اليوم عن نتائج خياره: أين أصبحت الأرض؟ ماذا حلّ بالقرى؟ وماذا بقي من قدرة الناس على الصمود والعودة؟". ويحمّل النداء "حزب الله" مسؤولية احتلال علي الطاهر، فـ"ما جرى في تلال علي الطاهر لا يمكن تجاوزه. فهذه التلال هي بوابة النبطية وأحد المواقع الأساسية لحمايتها. وعندما أصبح ممكنًا وضعها في عهدة الدولة والجيش اللبناني، رُفض ذلك، فوقعت في يد الاحتلال. الأرض التي لم تُسلّم للدولة في الوقت المناسب أصبحت في عهدة العدو، والنبطي