من يُحدّد سياسة لبنان الخارجية؟ 10 أيلول 2026 · 01:18 ص 5 دقائق قراءة حجم الخط نصّ الدستور اللبناني على السلطات التي تتولّى شؤون السياسة الخارجية ولقد ورد في المادة 52 : « يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة ولا تصبح مبرمة إلّا بعد موافقة الوزراء». ونذكر هنا أن المعاهدات المبسّطة يبرمها مجلس الوزراء فتصبح نافذة من دون موافقة مجلس النواب، أما المعاهدات التي تنطوي على شروط متعلقة بمالية الدولة والتجارية والتي لا يمكن فسخها سنة فسنة فلا تبرمها الحكومة إلّا بعد موافقة مجلس النواب. ولقد جرى العرف على أن يتولى وزير الخارجية والمغتربين وبتكليف من رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وعلى أن يفوّضه مجلس الوزراء التوقيع عليها. أما المحور الثاني الهام في السياسية الخارجية فهي الخطة السياسية والمواقف التي تعتمدها الدولة في تعاملها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية. ومن أهم عناصر هذه الخطة أهدافها الاقتصادية والتحالفات وحماية الحدود وجذب الاستثمارات وتأمين مصادر الطاقة... أما أدواتها فترتكز على الدور الفاعل للسفارات والمفاوضات والمعاهدات الدولية والمساعدات والقروض. ولا بُدّ هنا من مبادئ تستند إليها خطة السياسة الخارجية مثل الحياد والانفتاح على الدول الكبرى والمحافل الدولية والدول الغنيّة بالموارد الطبيعية. وباختصار فإن السياسة الخارجية هي البوصلة التي تحدّد مع من نتحالف سياسياً ونتبادل تجارياً وكيف نتجنّب المخاطر ونحمي مصالحنا إضافة الى اعتماد الحكمة في تحديد مواقف الدولة من القضايا العالمية. فهذه الأمور كلها تندرج في إطار خطة يتولى وضعها وزير الخارجية والمغتربين بمساعدة فريق عمله الدبلوماسي وبعد الاستئناس بآراء الوزارات كافة. وحيث ان المادة 65 من الدستور قد نصّت على أنه من بين صلاحيات مجلس الوزراء « وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات» فمن الطبيعي والمنطقي ان تشمل السياسة العامة سياسة لبنان الخارجية. يجدر القول أولاً كما أشرنا أعلاه أنه غالباً ما يتولّى وزير الخارجية التفاوض مع الدول الأخرى فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية بتكليف من رئيس الجمهورية. ولكي نكون أكثر دقّة في وصفنا للواقع نذكر أن صلاحيات وزير الخارجية والمغتربين في تحديد سياسة لبنان الخارجية تنبثق ليس فقط من النص الدستوري بل أيضاً من التقاليد والأعراف الدستورية والدبلوماسية. فهو ليس وزيراً كغيره من الوزراء لأن جميع علاقات الوزارات مع الدول الأجنبية والمنظمات الدولية تمرّ عبر وزارة الخارجية ليس فقط لإبداء الرأي بل أيضاً للتوجيه القانوني وتأمين التواصل والتفاعل البنّاء والسليم مع الدول الأخرى. ومن البديهي القول أن كل وزير مختص بشؤون وزارته ومن مفترضات الواقع السياسي أن يكون وزير الخارجية بفعل موقعه خبيراً في شؤون وزارته وضليعاً بتفاصيلها ودقائقها وعلى دراية واسعة بكل ما يجري فيها وبكل مصالح الوزارات مع الخارج. وإذ صدف أن كانت خليفته المهنية دبلوماسية فهذا يعزّز موقعه في رسم السياسة العامة. «His role is to objectively evaluate and protect the national interest through the sober lens power politics» أي أن مهمة وزير الخارجية تتمثّل في تقييم الأمور بموضوعية والدفاع عن المصلحة الوطنية من منظور متّزن يستند الى منطق توازنات القوة في السياسة الدولية. كما أكد « مورغانتو» أن المسؤولية الأساسية لوزير الخارجية تتجلّى في تحديد أهداف الدولة حصراً وفقاً للمصلحة الوطنية وحدها ولا سيّما الأمن القومي وسلامة الأراضي وضمان أن تكون هذه الأهداف مدعومة دائماً بقدر كافٍ من القوة». ورُبّ سائل يسأل: كيف يمكن لأعضاء مجلس الوزراء أن يضعوا سياسة الدولة الخارجية وهم ليسوا قريبين، حتى لا نقول بعيدين، من شؤون الدولة الخارجية وعلاقاتها الدبلوماسية. في حين أن وزير الخارجية هو الوزير المؤهل أكثر من غيره لوضع سياسة الدولة الخارجية بكل أبعادها الإستراتيجية والجيوسياسية. بقي علينا أن نشير إلى أنه عندما يضع وزير الخارجية والمغتربين خطّة لسياسة لبنان الخارجية فأنه من المسلّم به أن تخضع الى التنقيح والتدقيق من قبل رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. والحق يقال أن مناقشة هذه الخطّة من قبل الوزراء تحمل في طيّاتها وتخفي في داخلها قيام كل وزير بالتعبير عن موقف طائفته أو حزبه السياسي تجاه هذه الخطّة. من جهة أخرى تجدر الإشارة إلى أنه من أهم خصائص صلاحية وزير الخارجية أن يصدر بيانات وتصريحات صحفية تعبّر عن خطّته وعن مواقفه من مجمل القضايا في مجال اختصاصه وهو الأولى بذلك علماً أننا رأينا العديد من الوزراء المتولّين حقائب أخرى لا يتوانون عن إصدار وإطلاق تصريحات متعلقة بسياسة لبنان الخارجية. وختاماً لا بدّ من الإشارة إلى ما جاء في المرجع الدبلوماسي المعروف