بين «لاءات بري للتفاوض» وإصرار عون كيف يتشكّل المشهد السياسي في لبنان؟ 10 أيلول 2026 · 01:15 ص 3 دقائق قراءة حجم الخط ثمة أزمة تعترض مسار المشهد السياسي الداخلي في لبنان، بعدما بات واضحاً حجم التباعد في الرؤية إلى مستقبل البلاد بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. صحيح أن الاختلاف في وجهات النظر حول تحديد المسار الوطني يأخذ شكل «الحرب الناعمة»، من دون إطلاق المواقف والمواقف المضادة، ومع أن البعض يعتبر أن الخلاف هو في الشكل وليس في المضمون، إلّا أن ذلك لا يعني أن الرجلين يقفان عند حدود الثوابت التي يؤمن بها كلٌّ منهما. فرئيس الجمهورية ماضٍ في قرار السير بمفاوضات «روما» والالتزام بـ«اتفاق الإطار» المبرم مع الكيان الإسرائيلي، على قاعدة أن الحرب وإطلاق النار لم يؤدِّيا إلى نتائج أو يعالجا المشكلة. لذلك يرى عون أن المسار الدبلوماسي المحاط بدعم دولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، قد يكون الطريق الأسرع أو الأقرب إلى فضّ النزاع. فيما يرى الرئيس نبيه بري عكس ذلك تماماً؛ إذ إن رفض المفاوضات المباشرة ومندرجاتها المتمثلة بـ«اتفاق الإطار» وباقي المسميات الواردة في الملحقات السرية، لا يمكن أن يعطي لبنان حقاً، انطلاقاً من قاعدة «مَن جرّب المجرَّب كان عقله مخرباً»، وهو يعني بذلك حقبة القرارات الأممية التي أطاح بها الكيان الإسرائيلي وضرب بها عرض الحائط. إذن، نحن أمام مواقف متناقضة من رأسي هرم الدولة، ومن موقعين دستوريين أساسيين فيها، وتوصيفات مختلفة للمسار التفاوضي مع إسرائيل، ما يضعنا أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الجولات ونتائجها. فمن أثينا، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان اختار الدبلوماسية لإنهاء حالة العداء، متمسّكاً بتطبيق «اتفاق الإطار» كاملاً من الطرفين. وفي بيروت، حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري من التفاوض تحت النار، مجدّداً رفضه للإطار، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قال: «ليس من حق أحد، مهما كان، وفي ظل هذه الظروف الراهنة، أن يأخذ البلاد إلى حيث لا منفعة لها، مهما تعددت التسميات أو التوصيفات». وهو ما فهمه البعض على أنه رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهورية، ومن خلفه رئيس الحكومة نواف سلام، والفريق الداعم للمفاوضات. من هنا يتضح أن الاختلاف ليس في قبول التفاوض أو رفضه فقط، ولا في تقييم سبع جولات لم تنتج حتى الآن الانسحاب الذي يطالب به لبنان، بل الأهم في المواقف الصادرة عن عون وبري هو وجود رؤيتين مختلفتين لما يفترض أن يسبق تقدّم المفاوضات، وللسقف الذي يمكن أن تصل إليه. فبين من يضع إنهاء حالة العداء في أفق الدبلوماسية، ومن يطالب أولاً بتنفيذ إسرائيلي يثبت جدوى المسار، تبدأ المسافة بين إدارة نتائج الحرب وبين البحث في شكل العلاقة التي تليها. من هنا تبدو المواقف أكثر وضوحاً، لما تحمله من إشكالية تتجاوز موقفي عون وبري. فالمفاوضات، بحسب المراقبين، انطلقت في الأصل لمعالجة الانسحاب، وانتشار الجيش، والترتيبات الأمنية، وحصر السلاح، من دون التأكيد أنها ستنتج اتفاقاً سياسياً. وإذا كان السؤال المطروح اليوم يتمحور حول ما يمكن انتزاعه من الكيان الإسرائيلي، فثمة سؤال أكبر يتمحور حول مَن يحدد نظام الدولة اللبنانية، ومَن له الحق في أن يعطي أو يأخذ، وما هي حدود التفويض ووجهة التفاوض؟ وهنا كانت إشارة الرئيس بري واضحة عندما قال إنه لا يحق لأحد، في ظل الظروف الراهنة، أن يأخذ البلاد إلى حيث يشاء، وتحت أي مسمّيات، كـ«اتفاق إطار» أو ملحقات سرية لا تخدم البلد في مرحلة إعادة تكوين المنطقة. لذلك تبقى الفجوة متسعة بين الرئيسين عون وبري حول هدف إنهاء الاحتلال والاعتداءات ضمن ترتيبات أمنية، وفتح الطريق أمام صيغة جديدة للعلاقة مع إسرائيل، ومن يملك القرار عندما ينتقل المسار من الأول إلى الثاني. وهنا أيضاً جديرٌ التوقف عند خريطة طريق الكيان الإسرائيلي المرتبطة بالهدف من كل المفاوضات، بحيث يعمل على كسب نقاط في السياسة لم يحققها بشكل كامل في الحرب. إذن، «لاءات بري»، كما وصفها المطّلعون، لا تزال تدور في إطار الأزمة، بينما يسير إصرار عون باتجاه تنفيذ المضمون والإعلان عن جولة ثامنة من المفاوضات في الخامس عشر والسادس عشر من أيلول الجاري، لتبقى هذه الجولة المحكَّ الحقيقي، على وقع إخفاقات الجولات السبع الماضية. فهل ينتقل التباعد من أزمة وجهات نظر مختلفة بين الرئاستين الأولى والثانية، إلى شرخ لبناني على خلفية هذا الاختلاف، بما قد يُفضي إلى تشظّي نتائجه في البيئة السياسية والشعبية المحيطة بكلا الرئيسين؟