"ليدين من حَجَر وزعترْ هذا النشيدُ .. لأحمدَ المنسيّ بين فراشتينمَضَتِ الغيومُ وشرّدتني ورمتْ معاطفها الجبالُ وخبّأتني" (محمود درويش) لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة على خطة مقررة لتهجير أهالي غزة إلى جنوب لبنان. فالاقتراحات الإسرائيلية التي ظهرت تباعًا تتحدث عن إخراج الفلسطينيين من القطاع إلى "دول مستعدة لاستقبالهم"، من دون تحديد تلك الدول أو تقديم آلية عملية لتنفيذ ذلك. كما نفت الولايات المتحدة وجود خطة مدعومة منها لفرض مغادرة سكان غزة، مع أن وزراء إسرائيليين ما زالوا يطرحون علنًا مشاريع لما يسمونه "الهجرة الطوعية". غير أن غياب الخطة المعلنة لا يجعل السؤال بلا قيمة، وخصوصًا عندما تتزامن محاولات تفريغ غزة مع تهجير واسع لسكان جنوب لبنان ومنع قسم منهم من العودة إلى بلداتهم. المسألة، إذًا، ليست وجود وثيقة سرية تحمل عنوان "نقل الغزيين إلى جنوب لبنان"، بل وجود منطق سياسي وعسكري قد يجعل ما يبدو مستحيلًا اليوم قابلاً للطرح غدًا. وهذا المنطق هو منطق "حال الاستثناء"، أي الحرب التي تُعلَّق خلالها القواعد، وتُنتج وقائع ديموغرافية وجغرافية يصعب التراجع عنها بعد توقف العمليات العسكرية. في الظاهر، تبرر إسرائيل أوامر الإخلاء بأنها إجراءات مؤقتة لحماية المدنيين أو إبعادهم عن مناطق القتال. لكن التجربة في غزة، كما في جنوب لبنان، تكشف أن الإخلاء يتحول في معظم الأحيان إلى حال مستدامة. يُطلب من السكان مغادرة بيوتهم، ثم تُدمَّر المنازل والبنية التحتية، وتُغلق الطرق، وتتحول المنطقة إلى نطاق عسكري، فتغدو العودة مستحيلة حتى لو انتهى السبب الأمني الذي استُخدم لتبرير المغادرة. بهذه الطريقة لا يصدر قرار رسمي يقول إن السكان طُردوا نهائيًا. تبدأ العملية بإخلاء "إنساني"، ثم يتحول الإخلاء إلى نزوح طويل، ويتحول النزوح إلى تهجير دائم. تقوم حال الاستثناء هنا بوظيفة أساسية بإنها لا تلغي القانون الذي يرعى الحقوق علنًا، بل تصنع واقعًا يعجز القانون عن تغييره. يمكن تطبيق الآلية نفسها على غزة. فحين يعيش أكثر من مليوني إنسان تحت القصف والحصار والجوع وانهيار الخدمات، يصبح الحديث عن المغادرة الطوعية تضليلًا لغويًا. لا تكون المغادرة حرة عندما يُخيّر الإنسان بين الرحيل وبين الموت أو فقدان الحد الأدنى من شروط الحياة. والإكراه لا يحتاج دائمًا إلى جندي يدفع المدني عبر الحدود، قد يتخذ صورة تدمير منزله، وحرمانه من الغذاء والدواء، وإقناعه بأن الأرض التي يغادرها لم تعد قابلة للحياة. القانون الدولي واضح في هذا الشأن. فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي لسكان الأراضي المحتلة إلى دولة أخرى، أيًا تكن الذريعة المستخدمة. لكن التجربة الحديثة تبين أن الحظر القانوني لا يمنع خلق الظروف التي تجعل الخروج يبدو كأنه الخيار الوحيد المتبقي. لماذا يُذكر جنوب لبنان ضمن هذا السيناريو؟ لأن المنطقة نفسها تتعرض لعملية إعادة تشكيل بالقوة. فقد أدت أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية وتدمير القرى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان الجنوب، فيما تثار مخاوف جدية من إقامة منطقة أمنية واسعة تمنع الأهالي من العودة. ومنظمة العفو الدولية اعتبرت بعض أوامر الإخلاء ومنع العودة ممارسات قد تشكل نقلًا قسريًا غير مشروع. ومع ذلك، لا يكفي التزامن بين تهجير الغزيين وتهجير اللبنانيين للقول بوجود خطة لاستبدال مجموعة سكانية بأخرى.الأرجح أن الهدف الإسرائيلي المباشر في جنوب لبنان هو إقامة حزام أمني خالٍ من السكان أو قليل الكثافة السكانية، لا إنشاء منطقة لاستقبال الفلسطينيين. بل إن توطين الغزيين بالقرب من الحدود الإسرائيلية يناقض الحجة الأمنية نفسها، لأن إسرائيل ستجد أنها نقلت سكان غزة من جبهتها الجنوبية إلى جبهتها الشمالية بدل إبعادهم عنها. تواجه الفرضية أيضًا عقبات جغرافية وسياسية هائلة. فلا يوجد اتصال مباشر بين غزة ولبنان، وأي نقل جماعي يحتاج إلى ممر عبر إسرائيل أو مصر والأردن وسوريا، أو إلى عملية بحرية واسعة تشارك فيها دول عدة. كما أن جنوب لبنان منطقة حرب ودمار، ويعجز أصلًا عن استيعاب أبنائه المهجّرين، فكيف يمكنه استقبال مئات الآلاف من الفلسطينيين؟ أما داخليًا، فإن رفض التوطين يكاد يكون من الثوابت النادرة التي تتفق عليها القوى اللبنانية. وتنص مقدمة الدستور على أنه لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين. كما يرتبط هذا الرفض اللبناني بحق الفلسطينيين في العودة، وبالخوف من اختلال التوازنات الداخلية، فضلًا عن الذاكرة الثقيلة للحضور الفلسطيني المسلح والحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. ولذلك فإن أي محاولة لفرض تجمع سكاني فلسطيني جديد في الجنوب ستصطدم برفض أهالي المنطقة، الذين سيعتبرونها تثبيتًا لاقتلاعهم من أرضهم، كما ستواجه معارضة وطنية تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية. الخطر الأكثر واقعية ل