دخل جنوب لبنان مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والأمنية بعد السيطرة الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر، وسط مخاوف لبنانية من انتقال العمليات إلى مناطق إضافية في محافظة النبطية، بالتزامن مع تعثر المفاوضات وارتفاع سقف المطالب الأميركية بشأن سلاح حزب الله ودور الجيش اللبناني. إذ كشفت مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن مسؤولين لبنانيين أجروا خلال الأيام الماضية اتصالات مكثفة مع جهات أميركية ودولية، ركزت على منع توسيع العمليات الإسرائيلية باتجاه مدينة النبطية ومحيطها، بعدما تلقت بيروت رسائل تربط تجنيب المنطقة عملية عسكرية واسعة بإجراءات ميدانية تتولاها الدولة اللبنانية. تتركز المطالب المطروحة، وفق مصادر "عربي بوست"، على تعزيز انتشار الجيش اللبناني وضمان خلو مدينة النبطية ومحيطها من المظاهر والمواقع المسلحة، ما يتجاوز مجرد تسيير الدوريات إلى إثبات قدرة الدولة على فرض سلطتها الأمنية. بحسب المصادر، وفرت هذه الاتصالات مع الجانب الأميركي عملياً هامشاً زمنياً يقدر بنحو أسبوعين أمام السلطات اللبنانية لإظهار قدرتها على تنفيذ إجراءات فعلية، من دون أن يشكل ذلك اتفاقاً مكتوباً أو ضمانة بعدم تحرك إسرائيل بعد انتهاء هذه الفترة. ضغوط لتجنب ما حصل في "علي الطاهر" تكتسب هذه الاتصالات أهمية أكبر بعد التطورات التي شهدتها مرتفعات علي الطاهر، التي تحولت، وفق مصادر دبلوماسية عربية رفيعة تحدثت لـ"عربي بوست"، إلى نموذج تستخدمه إسرائيل للضغط على لبنان. تقوم المعادلة، بحسب المصادر، على أن تتولى الدولة اللبنانية معالجة المنشآت العسكرية التابعة لحزب الله، أو تحتفظ إسرائيل بخيار التحرك عسكرياً للوصول إلى النتيجة نفسها. تحاول واشنطن، وفق المصادر، منع تكرار سيناريو علي الطاهر في مناطق مأهولة، لكنها تضغط في الوقت ذاته على الحكومة والجيش لإثبات قدرة الدولة على تنفيذ خطوات ملموسة في ملف السلاح. في هذا السياق، تحرك السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى على خط المسؤولين والمرجعيات اللبنانية، حاملاً رسالة مفادها أن واشنطن تريد تجنيب النبطية تصعيداً واسعاً، لكن ذلك يتطلب تحركاً سريعاً من الدولة. فيما عزز الجيش اللبناني، بحسب مصادر حكومية، دورياته وتحركاته في النبطية والقضاء، لكن الإجراءات لم تتحول حتى الآن إلى عمليات تفتيش واسعة أو مداهمات بحثاً عن أسلحة. توضح المصادر أن جوهر النقاش لم يعد يتعلق بمجرد وجود الجيش في المنطقة، وإنما بطبيعة المهمة التي سيقوم بها، وما إذا كان الانتشار سيتحول إلى خطوات عملية لحصر السلاح بيد الدولة. المقاربة الأميركية لملف النبطية بالتوازي، تتداول الأوساط السياسية اللبنانية معلومات عن اتصالات غير مباشرة بين الأميركيين وحزب الله، ترتبط جزئياً بالاتصالات الأميركية–الإيرانية. لكن مصادر دبلوماسية غربية مطلعة على هذه الاتصالات أوضحت لـ"عربي بوست" أن المقاربة الأميركية لا تقوم على إعادة إنتاج تفاهم يسمح بالعودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، وإنما على الوصول إلى ترتيبات تؤدي تدريجياً إلى حصر السلاح والقرار العسكري بالمؤسسات الرسمية. وتنظر واشنطن إلى تجربة علي الطاهر، وفق المصادر، من زاوية النتيجة التي انتهت إليها، أي خروج الموقع العسكري من يد حزب الله، وليس بالضرورة من زاوية الطريقة التي تحققت بها هذه النتيجة. تبعاً لذلك، تتمثل الرسالة الأميركية إلى بيروت في أن المسار السياسي يمكن أن يمنع عمليات إسرائيلية إضافية إذا أنتج نتائج ملموسة، بينما سيمنح استمرار الوضع الحالي إسرائيل مساحة أكبر لفرض وقائعها بالقوة. لن تعقد الجولة 8 من المفاوضات، بحسب مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست"، قبل المؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني المقرر في باريس في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، والذي سيشارك فيه الرئيس جوزف عون ويلتقي خلال زيارته الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تراهن بيروت على إعادة تحريك المفاوضات في النصف الثاني من سبتمبر/ أيلول، إلا أن مصادر دبلوماسية ترى أن فرص تحقيق اختراق كبير تبقى محدودة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026. ويخشى مسؤولون لبنانيون أن يؤدي عدم عقد الجولة قبل الانتخابات إلى تجميد المسار لأشهر، بينما تواصل إسرائيل تغيير الوقائع الميدانية في جنوب لبنان. وتشير المصادر إلى أن التفاوض استمر خلال الجولات الـ7 السابقة بالتوازي مع العمليات العسكرية، ما أضعف عملياً معادلة "لا تفاوض تحت النار" التي حاولت الرئاسة اللبنانية تكريسها في بداية المسار. خلال هذه الفترة، تمكنت إسرائيل من السيطرة على علي الطاهر وتوسيع نطاق عملياتها في محيط النبطية وكفررمان وعربصاليم ومناطق أخرى، ما يثير مخاوف من قيامها تدريجياً بإنشاء نطاق أمني تتحكم فيه بالنار حتى من دون احتلال بري مباشر لكل مناطقه. الأسرى والحدود بلا اخ