في لبنان، لا يُلاحَق مَن هدّد وزير الخارجية، بل يُلاحَق الوزير بالسؤال: لماذا لم تذهب إلى مكتبك؟ أما الأسئلة الإدارية التي أثارها أحد المواقع المشبوهة حيث اختار الإيحاء بدل الوقائع، فجوابها واضح: يوسف رجّي لم يتوقف عن العمل، بل تابع مهماته من منزله، وأبلغ رئيس الحكومة والأجهزة الأمنية وطلب تعزيز حمايته. تأمين مقر بديل وحماية قصر بسترس مسؤولية الدولة، لا امتحان شجاعة يُفرض على فرد؛ وبقاء الموظفين لا ينفي خطراً شخصياً يستهدف الوزير. لم تكن تلك مساءلة، بل نقلٌ للعبء من المهدِّد إلى المهدَّد، تمهيداً لتحويل الخطر إلى مادة للسخرية. عندها دخل جبران باسيل على الخط واختصر السيادة بـ«التشميس». لكن أهلية الواعظ تُقاس بسجله: مَن كانت الخارجية في عهده ملحقةً بحسابات محور إيران، خلّف وراءه لا هفوات دبلوماسية، بل كوارث دفع لبنان أثمانها من جيشه وعلاقاته ومكانته. بدأ السجل في كانون الثاني 2016، حين امتنع لبنان، بالموقف الذي تولّاه باسيل ودافع عنه، عن تأييد الإجماع العربي في إدانة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، واعترض على إدانة تدخل حزب الله في البحرين. بعد أسابيع، أوقفت السعودية مساعدات بقيمة ثلاثة مليارات دولار للجيش ومليار للأجهزة الأمنية، وربطت قرارها بخروج لبنان عن الإجماع العربي وهيمنة حزب الله على قراره. لم تكن تلك «سيادة»، بل فاتورة دفعتها الدولة كي لا ينزعج المحور. ولم يكن الانحياز عابراً. ففي 2019، وصف باسيل إبقاء نظام بشار الأسد خارج القمة الاقتصادية العربية بأنه «عار تاريخي»، وطالب بإعادته إلى الجامعة و«احتضانه»، بينما كانت عضوية سوريا معلّقة بسبب قمع النظام الدموي للسوريين. هكذا وُضع ختم الجمهورية في خدمة أولويات دمشق وطهران. وبلغ المشهد ذروته في آذار من العام نفسه، عندما وقف باسيل إلى جانب وزير الخارجية الأميركي ليعلن أن حزب الله «ليس إرهابياً»، وليمنح سلاحه شرعية «المقاومة»، فيما كان المسؤول الأميركي يذكّره بأن هذا السلاح يصادر من اللبنانيين قرارَي الحرب والسلم. لم يكن باسيل يدافع عن لبنان أمام الخارج؛ كان يدافع أمام الخارج عن السلاح الذي ابتلع موقف لبنان. وحين لم يعد هذا السلاح يؤمّن له العائد السياسي نفسه، اكتشف باسيل أن وظيفة الغطاء قد انتهت، فانتقل من تغطيته إلى ابتزازه، ومن خدمته إلى المزايدة عليه. إنه تبدّل المصلحة، لا صحوة السيادة. أما يوسف رجّي، فانتزع الخارجية من فم محور إيران وأعادها إلى الدولة. لذلك لا يهاجمونه لأنه غائب، بل لأن لبنان حضر من خلاله. ولو أدارت بقية الوزارات السيادية ملفاتها بوضوحه، وقدّمت قرارات الدولة على حسابات الطوائف ومراعاة حزب الله، لامتلك لبنان قراراً يُحترم ودولةً لا يجرؤ أحد على تجاوزها. المشكلة ليست في المكان الذي يعمل منه رجّي، بل في الجهة التي يمثلها: هو يمثل لبنان؛ أما مهاجموه، فما زالوا يبحثون عن وظيفة لهم في جمهورية المحور.