تتجه إيران إلى توسيع تعريف "الاختراق الأجنبي" بصورة غير مسبوقة، عبر مشروع قانون جديد قد يجعل التواصل مع صحافي في الخارج أو جامعة أجنبية أو سفارة، وحتى بعض أشكال النشاط الفني والثقافي، سبباً للمراقبة أو الملاحقة، في خطوة ترى فيها قراءة إسرائيلية انعكاساً لخوف متزايد لدى النظام من تدفق المعلومات إلى خارج البلاد أكثر مما هي مواجهة تقليدية مع التجسس. وبحسب تحليل للكاتبة سوغاند فاخري نشره موقع "N12" الإسرائيلي، فإن الترجمة الأقرب لاسم المشروع من الفارسية هي "مشروع قانون مكافحة الاختراق الأجنبي"، إلا أنها اختارت وصفه بـ"قانون البارانويا"، في إشارة إلى اتساع تعريف النشاط الذي يمكن للسلطات الإيرانية اعتباره تهديداً. وخلال الأيام الأخيرة، أقر البرلمان الإيراني المبادئ العامة لمشروع القانون الذي يسعى إلى توسيع تعريف "الاختراق الأجنبي" بشكل كبير. وبحسب التحليل، تهدف الصيغة الجديدة إلى منح السلطات أدوات أوسع لرصد النشاط الذي تعتبره تجسساً أو تأثيراً أجنبياً أو تعاوناً مع جهات خارج إيران، ومراقبته ومعاقبة المسؤولين عنه. ورغم أن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ بعد، ولا تزال مواده الـ33 بحاجة إلى إقرار نهائي، فإن الاتجاه الذي يسلكه واضح بحسب فاخري. وتشير الصيغ المنشورة إلى أن الوقوع تحت طائلة القانون لا يتطلب بالضرورة إرسال خريطة لقاعدة عسكرية إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA". فحتى إجراء محادثة مع صحافي أجنبي، أو إرسال صورة أو مقطع فيديو إلى شخص يعمل في الإعلام خارج إيران، أو التواصل مع سفارة، أو التعاون مع جامعة أجنبية، أو المشاركة في ورشة عمل دولية، أو الحصول على منحة دراسية، أو حتى إنتاج عمل فني بدعم من الخارج، قد يحتاج إلى إبلاغ السلطات أو الحصول مسبقاً على موافقتها. وعلقت فاخري بسخرية على إدراج الفن ضمن هذه الأنشطة، معتبرة أن "الخطر الحقيقي على استقرار الجمهورية الإسلامية ليس التضخم أو نقص المياه أو انهيار شبكة الكهرباء، بل ربما فيلم قصير في مهرجان في فرنسا". وبحسب المشروع، سيكون على المواطنين والمنظمات التسجيل ضمن نظام حكومي والإبلاغ عن علاقاتهم بالمؤسسات الأجنبية. كما قد تتحول مقابلة مع وسيلة إعلام يعتبرها النظام معادية إلى جريمة جنائية، فيما قد يؤدي النشاط الأكاديمي أو البحثي أو الثقافي إلى السجن أو المنع المهني إذا قررت السلطات أنه يقدم إيران بصورة سلبية أو يقوض ثقة الجمهور بالنظام. وفي هذا السياق، كتبت فاخري: "إذا كان نشر الواقع يضر بثقة الجمهور بالنظام، فربما المشكلة ليست في النشر، وربما المشكلة في النظام". وترى الكاتبة أن هذا السلوك ليس جديداً، إذ يتكرر، بحسب وصفها، كلما تعرض استقرار النظام للاهتزاز. وتقول إنه في مرة يتم إصدار قائمة سوداء، وفي أخرى يُعتقل صحافي، أو تُصادر ممتلكات فنان أو رياضي، أو يُنظر إلى أي شخص تحدث مع جهة خارج إيران كما لو أنه "جيمس بوند جديد". وضمت قوائم نُشرت أخيراً أسماء منظمات وناشطين اجتماعيين وإعلاميين وفنانين، فيما قد يؤدي التواصل معهم أو التعاون معهم أو تزويدهم بالمعلومات إلى استخدام ذلك أساساً لاتهام مواطن إيراني بالتعاون مع العدو. وتوضح فاخري أن الإعجاب بمنشور أو متابعة حساب عبر "إنستغرام" لا يعنيان في الوقت الراهن أن صاحبهما سيُرسل تلقائياً إلى السجن، لكنها تحذر من أن اتساع صياغة القانون، وكون التحقيق يجري عبر الحرس الثوري والمحاكمة أمام محكمة ثورية، قد يجعلان حتى متابعة بسيطة تبدو مسألة شديدة الخطورة. وتقول فاخري إنها تعمل في أحد أبرز المراكز الواردة على القوائم، وهو "المركز المقدسي للشؤون الخارجية والأمن"، وإنها على صداقة مع عدد من الأشخاص الذين أُدرجت أسماؤهم فيها. ورغم ذلك، تؤكد أن هذا الأمر لم يمنع إيرانيين من مواصلة التواصل معها ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية، بل إن عدد الرسائل التي تصلها ارتفع. وتشرح ذلك بالقول إن المعادلة بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين بسيطة: "النظام يعتقد أنك خطيرة + أنت موجودة على قائمته السوداء = الإيراني العادي يفهم أنك على الأرجح إلى جانبه"، مضيفة أن ذلك بالنسبة إليها "مجاملة". وتشير إلى أنها موجودة بشكل أو بآخر على رادار السلطات الإيرانية منذ أن كانت في سن 18 عاماً، بغض النظر عن طبيعة عملها. فحين كانت ممثلة، اتُّهمت، بحسب قولها، بالعمل على "غسل الأدمغة"، وحين أصبحت كاتبة اتُّهمت بـ"إفساد العقول ونشر الدعاية"، أما عندما قدمت برنامجاً صوتياً باللغة الفارسية فاتُّهمت بدفع الأموال لأشخاص "كي يكذبوا علناً". وتضيف ساخرة أنها تنتظر اليوم الذي تُتهم فيه أيضاً بـ"انقراض الديناصورات". وترى فاخري أن المسار لا نهاية له عندما تكون النتيجة محددة مسبقاً، إذ يمكن عندها تكييف أي نشاط مع الاتهام المطلوب: المحادثة تصبح تجسساً، والفن تخريباً، والكتابة دعاية،