كادت ضربة إسرائيلية قرب الحدود السورية - التركية أن تفتح باباً لاشتباك مباشر بين إسرائيل وتركيا، بعدما اعتقدت منظومة المراقبة التركية أن طائرات إسرائيلية تقترب من مجالها الجوي، في مشهد أعاد إلى الأذهان إسقاط أنقرة مقاتلة روسية عام 2015 وما ترتب عليه من أثمان سياسية وعسكرية باهظة. ورغم التفوق الجوي الإسرائيلي، فإن الصورة تنقلب في البحر، حيث تمتلك تركيا تفوقاً واضحاً، ما يجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً لنقل التوتر إلى مستوى أكثر خطورة. وبحسب تحليل للصحافي عراد نير في مجلة "N12" الإسرائيلية، أقلعت طائرات هجومية عند الساعة 7 صباحاً باتجاه أهداف تقع على مسافة قريبة جداً من الحدود السورية - التركية، وبعد وقت قصير دوّى إنذار داخل وحدة المراقبة الجوية التابعة لهيئة الأركان التركية وحلف شمال الأطلسي في مدينة إسكي شهير. وأشار التحليل إلى أن رحلات من هذا النوع تجري في الأجواء السورية بصورة شبه يومية، لكن هذه المرة بدا أن الطائرات الظاهرة على الشاشات تقترب بشدة من المجال الجوي التركي، حتى إن بعض المراقبين اعتقدوا أنها تنوي عبوره. وتواصل المراقبون مع الطيارين عبر أجهزة الاتصال، وأطلقوا التحذير مرة تلو الأخرى، ثم تبين لاحقاً أنه تم توجيه ما لا يقل عن 10 تحذيرات خلال 5 دقائق كاملة. ويستعيد نير هنا حادثة وقعت في الماضي، حين استدارت إحدى طائرتين ضمن تشكيل جوي وعادت أدراجها، بينما واصلت الثانية مسارها. وفي ذلك الوقت، جرى تحويل مقاتلات تركية من طراز "إف-16" كانت تنفذ مهمة دورية إلى المنطقة، وعندما بدا أن الطائرة الهجومية دخلت المجال الجوي التركي، ولو لمدة 17 ثانية فقط، صدر الأمر باعتراضها. وأطلقت إحدى مقاتلات "إف-16" التركية صاروخ جو - جو أصاب القاذفة الروسية من طراز "سوخوي-24" وأسقطها، ما أدى إلى وفاة الطيار ونجاة الملاح، في حادثة شكلت نموذجاً واضحاً على خطورة سوء التقدير. ولم يكن أحد في قمة السلطة التركية يريد دفع الأمور إلى مواجهة مع روسيا، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض تجاوز الحادثة، وبدأ حملة اقتصادية ضد أنقرة وفرض عليها عقوبات كبيرة. وفي إطار مسار المصالحة الذي تلا الأزمة، اضطر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو حليف للولايات المتحدة وعضو بارز في حلف "الناتو"، إلى شراء منظومات دفاع جوي روسية من طراز "إس-400". وأدت هذه الصفقة لاحقاً إلى فرض إدارة دونالد ترامب الأولى عقوبات على تركيا، وإخراجها من الشراكة في مشروع المقاتلة المتطورة "إف-35"، وإلغاء العقود التي أبرمتها أنقرة للحصول على هذه الطائرات، فضلاً عن منع تسليم مقاتلات حديثة وقطع غيار لطائرات "إف-16" الموجودة بالفعل في الخدمة التركية. ويرى التحليل أن حادثة 24 تشرين الثاني 2015 يفترض أن تكون حاضرة في أذهان من أرسلوا مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي لمهاجمة مدرج مطار أبو الظهور، القريب جداً من تركيا. وكان السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك قد قال، في مقابلات أجراها بعد الضربة الإسرائيلية، إن "المراقبة التركية رصدت الطائرات الإسرائيلية، وكانوا على وشك إرسال طائرات اعتراض لأنهم اعتقدوا أنهم يتعرضون لهجوم". وطرح نير سؤالاً حول ما كان يمكن أن يعنيه وقوع خلل يؤدي إلى إسقاط طائرة إسرائيلية بنيران تركية. وأشار إلى أن محللين أتراكاً رأوا خلال الأسبوع أنه لولا حادثة إسقاط الطائرة الروسية وما ترتب عليها، لما كانت إسرائيل تجرؤ أساساً على تنفيذ ضربة بهذا القرب من الحدود التركية. وسأل هؤلاء: "هل كان نتنياهو سيتصرف بالطريقة نفسها تجاه تركيا لو كانت لديها أيضاً طائرات إف-35؟". وبالنسبة إلى منتقدي صفقة "إس-400" في تركيا، فإن الجواب واضح. وقال الكاتب أور أرغن في قناة "هالك تي في" إن "إسقاط الطائرة الروسية كان بمثابة إطلاق النار على القدم". وأضاف أن "تركيا خسرت إف-35، وتعرضت لعقوبات أميركية، ودفعت ثمناً في علاقاتها مع واشنطن، وهي مضطرة اليوم إلى البحث عن حل لقضية إس-400 من أجل إعادة فتح الباب أمام الولايات المتحدة". ورغم ما يصفه التحليل بالتفوق الجوي الإسرائيلي الواضح على تركيا، رأى نير أنه كان من الإيجابي سماع تقييمات في إسرائيل تفيد بأن الأتراك تخلوا، في الوقت الراهن، عن خططهم المتعلقة بالمطار الذي تعرض للهجوم، بحسب ما أُفيد في النشرة المركزية الثلاثاء. ولفت إلى أنه، لعدم اطلاعه على المواد الاستخباراتية الخام، لا يستطيع معرفة ما رصدته إسرائيل في كل مرحلة وما إذا جرى تفسير المعلومات بصورة صحيحة. لكنه اعتبر أن هذا المسار يشكل على أي حال وسيلة مناسبة للنزول عن شجرة التصعيد، ولو مؤقتاً. وفي الوقت نفسه، عاد أردوغان من عطلته الصيفية واستأنف خطابه الحاد تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقال من بين أمور أخرى: "لن نسمح لسياسيين يائسين، غير أكفاء وعديمي الفهم، باستخدامنا من أجل تسجيل نقاط سيا