في زمن الحرب المستمرة على لبنان الواقع في لهيب المنطقة وكل تأثيراتها جاءت إحالة وزير المال ياسين جابر مشروع موازنة 2027 في موعده تمثل خطوة إيجابية تعيد شيئاً من الانتظام إلى المالية العامة اللبنانية، لكن انتظام المهل لا يكفي للحكم على المشروع. الاختبار الحقيقي يكمن في طبيعة الإيرادات، ومَن يتحمل العبء، ومدى قدرة الدولة على تحصيل حقوقها قبل البحث عن أعباء جديدة. إن أبرز ما يستحق التوقف عنده في مشروع موازنة 2027 هو الاعتماد الكبير على الضرائب غير المباشرة. فهذه الضرائب، وإن كانت تُجبى من المستورد أو التاجر أو المؤسسة، تنتقل في جزء كبير منها إلى المستهلك النهائي عبر الأسعار. وبالتالي فإن المواطن يدفعها في كل مرة يشتري فيها سلعة أو خدمة، بغض النظر عن مستوى دخله. وهنا تظهر مشكلة العدالة الضريبية. فصاحب الدخل المحدود ينفق نسبة أكبر من دخله على الاستهلاك والحاجات الأساسية، بينما يستطيع صاحب الدخل المرتفع ادخار جزء أكبر من دخله. لذلك تكون الضريبة غير المباشرة، رغم وحدة نسبتها، أثقل نسبياً على ذوي الدخل المحدود والمتوسط. وتكشف أرقام موازنة 2026 حجم الاعتماد على الإيرادات الضريبية، إذ قُدرت الإيرادات الإجمالية بنحو 505.7 تريليونات ليرة، منها نحو 416.1 تريليون ليرة إيرادات ضريبية، أي أكثر من 82 في المئة من إجمالي الإيرادات. وفي المقابل، ذهب نحو 88.9 في المئة من النفقات إلى الإنفاق التشغيلي، مقابل 11.1 في المئة فقط للنفقات الاستثمارية. وهذه المعادلة تضع المالية العامة أمام مشكلة هيكلية: الدولة تحتاج إلى إيرادات كبيرة لتغطية إنفاق جارٍ مرتفع، بينما تبقى قدرتها على الاستثمار محدودة. من هنا يصبح السؤال الأساسي في مشروع موازنة 2027 ليس فقط «كم ستجمع الدولة؟»، بل «من أين ستجمع؟»، وتزداد أهمية هذا السؤال في ملف الأملاك البحرية. فبحسب الأرقام المتداولة حول مشروع موازنة 2027، تراجعت الإيرادات المقدرة من تسوية إشغالات الأملاك البحرية من نحو 3.119 تريليونات ليرة في موازنة 2026 إلى نحو 1.429 تريليون ليرة في المشروع الجديد، أي انخفاض بنحو 54.2 في المئة. وإذا تأكدت هذه الأرقام في الجداول النهائية، فإنها تحتاج إلى تفسير، خصوصاً أن الحكومة أعلنت سابقاً عن توجه لمراجعة التعديات وتحصيل الرسوم غير المسددة وإعادة تخمين بدلات الإشغال. ولا يعني انخفاض التقديرات بالضرورة أن الدولة خفضت الرسوم أو منحت امتيازات للمخالفين؛ فقد تكون هناك أسباب تتعلق بالتقدير أو توقيت التحصيل. لكن المفارقة تبقى قائمة: إذا كانت الخزينة تحتاج إلى موارد إضافية، فلماذا يتراجع تقدير مورد مرتبط باستعمال أملاك عامة؟ وهنا يجب التمييز بين زيادة الضرائب وزيادة التحصيل. فزيادة الضرائب تعني تحميل المكلفين أعباء جديدة، وغالباً ما يكون المستهلك هو الحلقة الأخيرة التي تتحملها. أما زيادة التحصيل فتعني تحصيل ما هو مستحق أصلاً: الضرائب المتوجبة، الجمارك، الرسوم، الغرامات، وحقوق الدولة في الأملاك العامة، إضافة إلى مكافحة التهرب والاقتصاد غير المنظم. وهذا هو الاتجاه الذي يفترض أن يسلكه مشروع موازنة إصلاحي: توسيع القاعدة الضريبية، مكافحة التهرب، تحسين الجباية، ضبط التهريب، واستعادة حقوق الدولة، قبل الاستمرار في تحميل الاستهلاك أعباء جديدة. وفي ملف الأملاك البحرية تحديداً، لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد تسجيل إيرادات من التسويات. المطلوب تحديد التعديات، إزالة ما لا يمكن تسويته قانوناً، وتنظيم الحالات المشروعة، واستيفاء بدل إشغال يعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للأملاك العامة. فالمال العام ليس ملكاً للحكومة، بل حق للمجتمع كله. أما على جانب الإنفاق، فإن ارتفاع النفقات الجارية يحد من قدرة الدولة على الاستثمار والنمو. وبالتالي فإن زيادة الإيرادات وحدها لا تكفي إذا كانت ستذهب بصورة أساسية إلى تمويل الإنفاق الجاري، من دون تحسين كفاءة الدولة أو توسيع الاستثمار العام. وعليه، يبدو أن مشروع موازنة 2027 سيواجه معادلة صعبة: الدولة تحتاج إلى المال، لكنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية في الحصول عليه من المستهلك؛ وتحتاج إلى خفض الإنفاق، لكن الجزء الأكبر منه مرتبط بالتزامات يصعب تخفيضها سريعاً. إن المسار الأكثر ترجيحاً هو استمرار السعي إلى تحسين التحصيل والحفاظ على قدر من الانضباط المالي، مع بقاء الضغط لزيادة الإيرادات. لكن نجاح مشروع موازنة 2027 سيعتمد على مصدر هذه الزيادة: هل ستكون من ضرائب ورسوم يدفعها الجميع، أم من مكافحة التهرب واستعادة حقوق الدولة وتحسين تحصيل الموارد القائمة؟ في النهاية، لا يُقاس مشروع موازنة 2027 فقط بحجم الإيرادات أو بمستوى العجز، بل بكيفية توزيع العبء الضريبي. فالدولة التي تجمع من الجميع قد تزيد إيراداتها، لكنها لا تحقق بالضرورة العدالة. أما الدولة التي تحصّل حقوقها من مصادرها كافة