أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ"يوم القيامة الاقتصادي" لإيران، مقدّمةً "عملية المنبوذ الاقتصادي" باعتبارها أكبر هجوم مالي في التاريخ، لكن الفجوة بين اللغة التصعيدية وآلية التنفيذ الفعلية تكشف أن تحويل العقوبات إلى حصار فعلي على طهران أكثر تعقيداً بكثير، وأن أي تحرك أميركي أحادي، من دون أوروبا والصين، قد ينتهي بنتائج محدودة. وبحسب تحليل للدكتورة شلوميت فاغمان-راتنر نشره موقع "N12" الإسرائيلي، فإن من استمع إلى المؤتمر الصحافي لبيسنت سمع نبرة أكثر حذراً من العنوان المعلن، إذ لم يتحدث الوزير عن ضربة مالية فورية، بل عن "طلقة تحذيرية"، موضحاً أن معظم العقوبات لن تدخل حيز التنفيذ مباشرة، وأن واشنطن تمنح العالم "فترة سماح" لتغيير سلوكه. وسأل بيسنت علناً: "لماذا أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟"، فيما أرجأ الخطوة الأكثر أهمية، وهي فرض عقوبات على مؤسسة مالية كبيرة، إلى الأسبوع المقبل. وترى فاغمان-راتنر أن هذه الفجوة بين الخطاب الحاد والتحرك المتدرج ليست عرضية، بل تعبّر عن طبيعة العقوبات الاقتصادية نفسها، التي قد تكون قوية على الورق لكن تنفيذها ومراقبة الالتفاف عليها يمثلان التحدي الحقيقي. وبرأيها، فإن الاتجاه الأميركي صحيح من حيث المبدأ، لأن الحرب الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية ضد النظام الإيراني، إذ تضرب مباشرة مصادر تمويل الجماعات المسلحة والبرنامج النووي وأجهزة القمع، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في توقيت استخدامها. وتشير إلى أن إيران واحدة من أكثر الدول خبرة في التعايش مع العقوبات، بعدما خضعت على مدى سنوات لجولات متكررة منها، فيما أُعيد قبل نحو عام تفعيل آلية "سناب باك" التابعة للأمم المتحدة، ما أعاد كامل العقوبات الدولية. وخلال هذه السنوات، لم تبقَ إيران مكتوفة اليدين، بل بنت منظومة كاملة للالتفاف على العقوبات، بحيث تواجه كل جولة جديدة من الضغوط بقدرات أكبر على التكيف. وترى فاغمان-راتنر أنه لو استُخدمت الحرب الاقتصادية بهذه القوة منذ البداية، وقبل اللجوء إلى القوة العسكرية، لكانت أكثر فاعلية، وربما وفّرت أشهراً طويلة من القتال. وتعتبر أن العودة اليوم إلى المسار الاقتصادي تمثل، إلى حد بعيد، اعترافاً غير مباشر بأن المسار العسكري لم يحقق حسماً، لكن العودة تحصل الآن في ظروف أقل راحة مما كانت عليه سابقاً. ويقوم جوهر الخطة الحالية على ما يُعرف بالعقوبات الثانوية، التي لا تستهدف إيران وحدها، بل أي جهة في العالم تواصل التعامل معها. وتشرح فاغمان-راتنر الفكرة بتشبيه الدولار بطريق رئيسي واحد تمر عبره أموال العالم، بينما تملك الولايات المتحدة الحاجز المقام عليه. فالعقوبة التقليدية تمنع إيران من استخدام هذا الطريق، أما العقوبات الثانوية فتعاقب أيضاً كل جهة تسير إلى جانبها. وبذلك، فإن أي مصرف أو شركة شحن أو مصفاة أو ميناء يتعامل مع طهران يمكن أن يُقطع بدوره عن منظومة الدولار، وهو إجراء يوازي، بالنسبة إلى أي مؤسسة مالية، حكماً بالموت التجاري. وتكمن قوة هذه الأداة، وفق التحليل، ليس فقط في استخدامها، بل في مجرد التهديد بها، لأن حتى الدول التي لا تربطها صلة سياسية بالولايات المتحدة ستفكر مرتين قبل المخاطرة بحرمانها من التعامل بالدولار. وإلى جانب قائمة تضم أكثر من 60 جهة وشخصاً وسفينة، أضافت وزارة الخزانة الأميركية 5 قطاعات جديدة إلى نطاق التطبيق، هي الأصول الرقمية والعملات المشفرة، والذهب، والتكنولوجيا، والطيران، والشحن البحري. وترى فاغمان-راتنر أن توسيع هذه القائمة ليس إجراء تقنياً، بل يشكل خريطة دقيقة لمسارات الهروب التي بنتها إيران، كما يمنح السلطات الأميركية أرضية قانونية أوسع للتحرك. وتوضح أن إدراج هذه القطاعات لا يعني أن كل أصل رقمي أو قطعة ذهب أو ملكية مرتبطة بإيران تصبح تلقائياً أموالاً مرتبطة بجماعات مسلحة، لكنه يعني أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي يحصل على قاعدة قانونية أوسع لاستهداف الجهات التي تعمل في هذه القطاعات أو تسهّل النشاط فيها. وبالتالي، لن يكون ضرورياً في كل حالة إثبات وجود رابط مباشر مع الحرس الثوري الإيراني أو جماعة مسلحة محددة أو شبكة التفاف سبق كشفها، إذ قد تكفي ممارسة نشاط داخل قطاع إيراني خاضع للعقوبات، وفق الشروط القانونية المعتمدة، لتبرير التحرك الأميركي. ويمثل ذلك، بحسب التحليل، تحولاً مهماً من ملاحقة شبكات وأسماء معروفة مسبقاً إلى تطبيق أوسع يرتبط بنوع القطاع نفسه. وبالنسبة إلى المصارف ومنصات العملات المشفرة وشركات الشحن وموردي التكنولوجيا وغيرهم، فإن ذلك يعني ارتفاع المخاطر بصورة ملموسة عند إجراء أي أعمال مرتبطة بإيران، حتى في غياب بصمة واضحة لجهة محددة. ويبقى النفط خزينة النظام الإيراني الأساسية، لكنه بدوره أصبح يتحرك تحت الرادار عبر "