صار انقسام جماعة "الإخوان المسلمين" إلى جبهات متنازعة واقعاً معلناً. وتكشف شواهد جديدة عن اتساع التصدعات داخل التنظيم، الذي يوشك أن يتم مئة عام على تأسيسه، من أبرزها انتقال الخلافات إلى خطاب علني يتضمن التكفير والاتهامات بالفساد المالي والسباب، فضلاً عن تنصل شخصيات مرتبطة بالجماعة من أي صلة بها. وأعاد الهجوم الحاد الذي شنه الداعية وجدي غنيم على القيادي في الجماعة الدكتور حلمي الجزار تسليط الضوء على هذا التفسخ. واتهم غنيم الجزار بـ"النفاق"، وسعى إلى تأصيل فتوى تكفّره وتخرجه من ملة الإسلام، في مقطع فيديو مدته نحو 15 دقيقة، نشره على صفحته في موقع "إكس"، في 25 آب/أغسطس 2026. ردي على الدكتور حلمي الجزار#وجدي_غنيم pic.twitter.com/AnHO13d9ea— وجدي غنيم (@WagdiGhoneim) August 25, 2026 ردي على الدكتور حلمي الجزار#وجدي_غنيم pic.twitter.com/AnHO13d9ea وأثار الجدل أيضاً تنصل شخصيات مرتبطة بـ"الإخوان المسلمين" من أي علاقة بالجماعة، ومن أبرزها الداعية هالة سمير، التي نفت صلتها بالتنظيم بعدما كانت قد أكدت في لقاءات إعلامية سابقة عضويتها فيه. وجعل هذا التناقض تصريحاتها مادة متكررة للسجالات والتندر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها نموذجاً لتنصل عناصر "الإخوان" من تنظيمهم، ولا سيما المقيمين منهم في مصر. وتزامن ذلك مع تقارير عن تجدد خلافات مالية مرتبطة باستثمارات تابعة لعناصر في الجماعة، تضمنت اتهامات بالاستيلاء على أموال وبضائع. وتأتي هذه الاتهامات ضمن سلسلة من الفضائح المالية التي ضربت التنظيم أخيراً، وشملت ادعاءات بالاستيلاء على تبرعات جُمعت لمصلحة سكان غزة. يقرأ المؤرخ والخبير في سوسيولوجيا الإفتاء وتاريخ الحركات الإسلامية الدكتور عمرو عبد المنعم، خصوصاً هجوم غنيم على الجزار، في سياق الصراع الدائر بين الجبهات المتنافسة داخل "الإخوان المسلمين". ويلفت، في حديثه لـ"النهار"، إلى مفارقة تتمثل في أن الفكرة التي بُنيت عليها الجماعة بدأت "تتآكل"، في حين بقي التنظيم نفسه متماسكاً حتى الآن. ويقول: "ما نشهده حالياً هو أحد ملامح الصراع الدائر بين جبهات الجماعة"، موضحاً أن "الإخوان" انقسموا إلى جبهات عدة، أبرزها جبهات لندن وإسطنبول والمكتب العام وحركة "ميدان" وتيار أشرف عبد الغفار. ويضيف: "جماعة الإخوان فكرة أكثر منها تنظيماً، وقد بدأت الفكرة تتآكل بسبب الهجوم الكاسح عليها والضغوط التي تتعرض لها. أما التنظيم، فلا يزال متماسكاً إلى حد ما"، موضحاً أنه يقصد بالتنظيم قاعدة البيانات الأصلية للأعضاء وصنّاع القرار. تناولت بعض الشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي أعراض رموز سياسية مصرية.ويهمني في هذا الصدد أن أوضح أن الخلاف السياسي له ما يبرره عقلا وعرفا وشرعا، ولكن مهما اشتد، لا يكون أبدا مبررا للخوض في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم.وبوصفي أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، أؤكد أن النقد…— د. حلمي الجزار (@Helmy_Elgazar) August 19, 2026 تناولت بعض الشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي أعراض رموز سياسية مصرية.ويهمني في هذا الصدد أن أوضح أن الخلاف السياسي له ما يبرره عقلا وعرفا وشرعا، ولكن مهما اشتد، لا يكون أبدا مبررا للخوض في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم.وبوصفي أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، أؤكد أن النقد… لماذا يتماسك التنظيم رغم تآكل فكرته؟ يربط عبد المنعم استمرار تماسك التنظيم، رغم احتدام الصراعات داخله، بشبكة المصالح التي تجمع عناصره وقياداته، قائلاً: "هناك شبكات استثمارية واجتماعية وعلاقات مصاهرة، وكلها عوامل تحافظ على تماسكه". وتشير قراءات إلى أن الجماعة واصلت نشاطها رغم الضربات الأمنية القوية التي تعرضت لها، كما بقيت قنواتها الإعلامية تعمل. غير أن الأداء العام للتنظيم يبدو متخبطاً، إذ تطرح جهات داخله مبادرات للمصالحة مع السلطات المصرية، بينما يصفها آخرون بـ"النفاق" و"الكفر". وعن دور وجدي غنيم، يقول عبد المنعم إن الداعية لم يكن عضواً في جماعة "الإخوان"، لكن التنظيم استعان به وتحالف معه مرات عدة، واصفاً خطابه بأنه "صرخات منبرية لا طائل منها سوى تضليل أكبر عدد من الشباب". ويضيف أن الشباب المتأثرين بهذا الخطاب ينتهون إلى جماعات الإسلام السياسي، حيث تُهدر طاقاتهم وأعمارهم، مقارناً ذلك بالخطاب الديني المتزن الذي يقدمه الأزهر الشريف. الدكتور عمرو عبد المنعم. (فايسبوك) يكشف انتقال الصراعات إلى العلن حجم التخبط داخل الجماعة، التي تربّت عناصرها على مبدأ "السمع والطاعة" للقيادات. كما يعكس عجزها عن التوصل إلى قرارات ملزمة لجميع أعضائها. وفي مراحل سابقة من الصراع بين جيل الشباب والحرس القديم، بقيت الخلافات داخل التنظيم، وغالباً ما كان يكشفها باحثون متخصصون في حركات الإسلام السياسي، فيما كانت القرارات تسري على جميع العناصر، سواء وافقت عليها أم اع