يبدأ أموس غيتاي رحلته من القدس في اتجاه أريحا، على الطريق الذي يحمل في ذاكرته واحدة من أكثر اللحظات دلالةً في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحديث. فأريحا، إلى جانب غزة، كانت جزءاً من اتفاق أوسلو الأول، وعنواناً لإمكان سياسي بدا، في تلك اللحظة، قابلا للحياة. بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود غيتاي إلى المكان نفسه، لكن التاريخ الذي كان يتّجه نحو المستقبل يبدو عالقاً في ماضيه. في الطريق إلى أريحا، لا يبحث المخرج عن جغرافيا جديدة بقدر ما يستعيد شرائح من الذاكرة التي صنعت أفلامه وسيرته وأسئلته. "الطريق إلى أريحا"، المعروض خارج المسابقة في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول) ، فيلم عن الحاضر، لكنه مصنوع إلى حد كبير من الماضي. يستعيد غيتاي مقاطع من أفلام سابقة، مستحضراً أصوات سامويل فولر، وجانّ مورو، وآرثر ميلر، وإسحق رابين، إلى جانب إيرين جاكوب وهانا شيغولا، في محاولة لخلق حوار بين أرشيفه الشخصي والواقع الراهن. ماذا يفعل مخرج سبعيني حين يجد نفسه أمام واقع يفرض عليه الكلام، بينما الصور التي أنجزها طوال حياته تبدو كأنها سبقت اللحظة الحالية؟ أموس غيتاي في البندقيةأموس غيتاي في البندقية اختيار غيتاي إعادة استخدام الصور والأصوات يمكن أن يُقرأ شكلاً من أشكال إعادة التدوير، لكنه يتجاوز هذا المعنى حين نرى الطريقة التي تتجاور بها المواد القديمة مع صور الحاضر. الذاكرة عنده مادة حية، تعود إلى المشهد كي تقيس المسافة بين ما كان ممكناً وما أصبح مستحيلاً. تكتسب أصوات الماضي وزناً يتجاوز الحنين. إسحق رابين يظهر كصوت سياسي ينتمي إلى لحظة كانت فيها كلمة "السلام" جزءا من قاموس السياسة الإسرائيلية. كان غيتاي قد حاور رابين عام 1994، ثم عاد إلى شخصيته في فيلمه "يوم رابين الأخير" عام 2015. في "الطريق إلى أريحا" تعود تلك الكلمات من الماضي لتصطدم بحاضر مختلف تماماً. السلام ليس موضوعاً من مواضيع الفيلم، إنه شرطه الأخلاقي. في هذا السياق يأتي خان الأحمر، ذلك التجمّع البدوي الصغير القائم على الطريق إلى أريحا، بمدرسته المبنية من التراب والإطارات، وأطفاله الذين يصوّرهم غيتاي في هدوئهم وحياتهم اليومية. يتحوّل المكان إلى صورة مصغرة للصراع كله: مجتمع صغير مهدّد بالاقتلاع. لا يحتاج الفيلم إلى تحويل خان الأحمر إلى استعارة كبيرة، فوجوده المادي يكفي. المدرسة، الأطفال، الخيام، الطريق، والمطالبات المستمرة بالإخلاء تختصر علاقة القوة التي يتحدث عنها الفيلم. يذهب غيتاي إلى المكان حاملاً معه التاريخ، لكنه يجد أن الواقع نفسه صار أقوى من الاستعارة. أمام منزل فلسطيني مهدّم، لا تبدو الأسئلة التقليدية، متى وكيف ولماذا كافية. "الطريق إلى أريحا فيلم نقدي. تقول جانّ مورو في بداية الفيلم قصيدة ناثان زاخ عن البشر، والحرب، وما يفعله الإنسان، وعن القصائد التي تُكتَب على مكتب بينما الحرب مستمرة بلا رحمة. العبارة تتحوّل إلى مفتاح للفيلم كله. غيتاي يريد أن يصنع قصيدة عن الحرب من موقع بعيد عن الجبهة، في زمن تستمر فيه الحرب في الجبهة نفسها. تتخذ الصورة تبعاً لذلك إيقاعاً هادئاً، وتكثر التراكبات البصرية، كأن الحاضر لا يستطيع الظهور منفرداً، وكأن كلّ صورة تحمل فوقها صورة أخرى من الماضي. السماء، مثلاً، تتحول إلى مصدر للخطر. يصف غيتاي تجربة الاستلقاء في الظلام تحت صوت يمكن أن ينهي حياتك في أي لحظة. الحرب هنا انتظار الموت وهو يأتي من السماء. يبدو الفيلم، في جانب منه، كأنه مانيفستو أخلاقي ضد منطق العنف. يسأل عن إمكان النضال من دون السلاح والقتل، وعن كيفية التخلّص من إرث الضغينة المتراكم. ويطرح فكرة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه: إذا كان لا بد من القضاء على العدو، فعلينا أولاً أن نعرف من هو العدو، وأن تكون المعركة مع الأفكار لا مع الأجساد. إيرين جاكوب، التي ظهرت في فيلم غيتاي السابق "لماذا الحرب؟"، تبدو هنا امتداداً روحياً لذلك العالم. حضورها رقيق، أقرب إلى الظلّ الذي يمر بين ثقوب الفيلم، كما لو أنها تحمل معها آثار شخصيات وأفكار ظهرت في أعمال غيتاي السابقة. وهي، مثل الفيلم نفسه، جزء من عملية الاستشهاد الذاتي التي تجعل "الطريق إلى أريحا" أقرب إلى مراجعة لمسيرة كاملة. الأمر نفسه ينطبق على سامويل فولر. في عام 1992، قدّم غيتاي في غيبيلينا الصقلية العمل المسرحي، "غيبلينا، تحوّل لحن"، مستنداً جزئياً إلى "حرب اليهود" ليوسيفوس فلافيوس، وشارك فيه فولر وهانا شيغولا وإنريكو لو فيرسو. ثم عاد المشروع في فيلم "كلمات" عام 1996، حيث أدى فولر صوت يوسيفوس فلافيوس. اختيار فولر هنا شديد الدلالة: المخرج الأميركي اليهودي والمحارب السابق في الحرب العالمية الثانية يتحدّث بلسان المؤرخ اليهودي الذي عاش حرباً مدمّرة ضد روما في القرن الأول. التاريخ والحرب والهوية، هذا كله ينتقل من عمل إ