بين الحديث عن إعفاء السوريين من رسوم الدخول، والرقم الكبير المتعلق بـ640 ألف وثيقة منع، اختلطت الوقائع المالية بالإجراءات الإدارية والهواجس الأمنية، ليبدو المشهد وكأن الحدود اللبنانية تتجه إلى فتح أبوابها بلا قيود. غير أن معلومات خاصة بـ”ليبانون ديبايت” ترسم صورة مختلفة تمامًا، وتكشف أن ما يجري هو إعادة تنظيم لملف متراكم، لا إعفاء شاملًا من الرسوم ولا إسقاطًا عشوائيًا للموانع الأمنية. وبحسب المعلومات، لم يصل إلى مكتب المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير أي طلب رسمي لإعفاء السوريين من رسوم الدخول إلى لبنان، كما لم يُطلب منه إلغاء قرارات المنع الصادرة بحقهم. فالملف ينقسم إلى مسألتين منفصلتين: رسوم الدخول التي يحددها القانون، والقيود المتراكمة بحق من خالفوا أنظمة الدخول والإقامة والعمل. في مسألة الرسوم، لا يملك الأمن العام صلاحية إلغائها أو تعديلها، لأنها محددة في قانون الموازنة العامة، ولا يمكن تعليقها أو تجاوزها بقرار إداري. ويقتصر دور المديرية على تطبيق النصوص النافذة واستيفاء الرسوم من الفئات الخاضعة لها. وبحسب جدول الرسوم المعتمد تنفيذًا لموازنة 2026، يبلغ رسم سمة الدخول للزيارة أو السياحة مليوني ليرة، فيما يبلغ بدل إنجاز المعاملة بصورة عاجلة 4.9 ملايين ليرة، ويُضاف إلى الرسم القانوني عند طلب هذه الخدمة. وبالتالي، فإن تعديل هذه الرسوم أو إلغاءها يحتاج إلى نص قانوني، ولا يمكن أن يتم بقرار يصدر عن الأمن العام. لكن الصورة الفعلية عند الحدود تختلف عن الانطباع الذي يوحي به الحديث عن إعفاء جديد. فغالبية السوريين الداخلين إلى لبنان معفيون أصلًا، استنادًا إلى لائحة رسمية تضم 27 حالة إنسانية وعائلية ومهنية وتعليمية. وتشمل اللائحة، من بين فئات أخرى، السوري المولود من أم لبنانية، والمتأهل من لبنانية، والقادم لتلقي العلاج، والطالب المسجل في مؤسسة تعليمية لبنانية، ورجل الأعمال، وموظف القطاع العام، ورجل الدين، وصاحب العقار، إضافة إلى حاملي بطاقات عدد من النقابات المهنية. وتشير التقديرات المتوافرة لدى الأمن العام إلى أن أكثر من 90% من حركة دخول السوريين تقع ضمن هذه الفئات، فيما تقتصر الحالات التي تدفع الرسوم، وبينها بعض الداخلين بقصد السياحة أو الزيارة والعمل، على نحو 10% من مجمل حركة العبور. وتبقى الرسوم المستوفاة من هؤلاء خاضعة لما أقره القانون، بعيدًا عن أي اجتهاد إداري أو قرار أمني. أما المسألة الثانية، فتتعلق بنحو 640 ألف قيد أو وثيقة منع تراكمت على امتداد سنوات. ولا يعني هذا الرقم وجود 640 ألف صاحب ملف أمني أو شخص مشتبه في ارتباطه بالإرهاب أو الجريمة المنظمة، كما لا يعني أن هذا العدد يقف خارج الحدود في انتظار السماح له بالدخول إلى لبنان. فالجزء الأكبر من هذه القيود ناتج عن مخالفات إدارية، من بينها انتهاء مدة الإقامة، أو مخالفة شروط العمل، أو الدخول بصورة غير شرعية، أو عدم تسوية الوضع القانوني ضمن المهلة المحددة. وقد أدى تراكم هذه الإشارات على مدى سنوات إلى وضع المخالف الإداري وصاحب الملف الأمني الخطر تحت عنوان واحد، من دون تمييز كافٍ بين طبيعة الحالات ودرجة خطورتها. ومن هنا، بادر المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، قبل إثارة الملف سياسيًا وإعلاميًا، إلى معالجة هذا الخلل عبر اتخاذ قرار إداري بإلغاء جميع قرارات ووثائق منع الدخول، ثم أصدر قراراً إدارياً داخلياً بتشكيل لجنة متخصصة داخل المديرية العامة للأمن العام، مهمتها فحص وجود حالات مرتبطة بالإرهاب أو المخدرات أو جريمة خطرة، وهي حالات لا يشملها قرار المدير العام. واستناداً إلى خلاصة أمنية معللة، يتم الإبقاء على قرار منع الدخول على الحالة. وفي السياق نفسه، جرى إعداد نظام أكثر تدرجًا وعدالة للتعامل مع مخالفات الإقامة، بحيث لا يؤدي الخطأ الإداري مباشرة إلى صدور منع نهائي. ووفق الآلية الجديدة، يبدأ المنع بـ3 أشهر عند المخالفة الأولى، ثم يرتفع إلى 6 أشهر عند تكرارها، فسنة في المرحلة التالية، وصولًا إلى المنع الكامل في حال استمرار المخالفات أو ظهور أسباب أمنية أو قضائية تستوجب ذلك. وتؤكد مصادر مطلعة أن هذه الإجراءات انطلقت بمبادرة من قيادة الأمن العام، ولم تكن نتيجة طلب تلقاه اللواء شقير من رئيس الحكومة نواف سلام أو من أي جهة سياسية. كما تشدد على عدم وجود خلاف بين رئاسة الحكومة والمديرية، وأن التواصل بين المؤسستين يجري وفق الأصول، بعيدًا عن محاولات تصوير الملف كاشتباك سياسي أو وضع الأمن العام في مواجهة مع الدولة السورية.