وضع "التيار الوطني الحر"، باسم تكتل "لبنان القوي"، قانون العفو العام أمام اختبار دستوري شامل، بعدما تقدّم بطعن أمام المجلس الدستوري استند إلى مخالفات شابت تكوين الإرادة التشريعية وأصول التشريع، إضافة إلى اعتراضات تتصل بمضمون القانون وحقوق الضحايا ومبدأ الفصل بين السلطات. وقسّم الطعن أسبابه إلى 3 محاور أساسية، بدأها بالعيوب التي شابت تكوين الإرادة التشريعية، وفي مقدمها مخالفة المادة 36 من الدستور وقاعدة التصويت العلني بالمناداة على أسماء النواب. واستند الطعن إلى قرار المجلس الدستوري رقم 5/2017 الصادر في 22 أيلول 2017، معتبرًا أن الدستور يفرض التزامين أساسيين: الأول عدم انعقاد مجلس النواب من دون تأمين النصاب، وعدم إقرار أي مشروع أو اقتراح قانون إلا بعد موافقة الغالبية المطلوبة بصورة واضحة وصريحة. أما الالتزام الثاني، فيتعلق بطريقة التصويت على مشاريع القوانين واقتراحاتها، إذ لم يكتفِ الدستور بتحديد النصاب والغالبية المطلوبة، بل حدّد أيضًا الآلية الواجب اتباعها في التصويت، وألقى مسؤولية الالتزام بها على رئيس مجلس النواب أو رئيس الجلسة عند غيابه. وتناول السبب الثاني ضمن هذا المحور ما وصفه الطعن بـ«تحوير النص بعد التصويت عليه»، معتبرًا أن تعديل الصيغة التي أقرّها النواب يمس السيادة الشعبية وصحة الإرادة التشريعية. وفي المحور الثاني المتعلق بمخالفة أصول التشريع، اعتبر الطعن أن القانون غير قابل للتطبيق بسبب استخدام عبارات فضفاضة تحتمل تفسيرات متعددة، مستندًا إلى اجتهادات المجلسين الدستوريين اللبناني والفرنسي، وإلى قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 3/2024 الصادر في 4 نيسان 2024، الذي اعتبر غموض النص وقابليته للتأويل سببًا كافيًا لإبطاله. كما طعن «لبنان القوي» بصحة الأسباب الموجبة للقانون، مستندًا إلى قرار المجلس الدستوري رقم 8/2026 الصادر في 3 أيلول 2026، والذي أكد أنه «لا يجوز لسلطة عامة أن تستمد من عدم ممارسة صلاحياتها سببًا لتعطيل قاعدة دستورية أو لتبرير الخروج عليها». ورأى الطعن أن معالجة التقصير في ممارسة بعض السلطات لصلاحياتها لا تبرر تجاوز القواعد الدستورية أو تعطيلها من خلال قانون العفو العام. وفي ما يتصل بمبدأ الفصل بين السلطات، تحدّث الطعن عن تعدٍّ على صلاحيات السلطة القضائية وخرق لموجب التعاون بين السلطات، ولا سيما لجهة عدم استشارة مجلس القضاء الأعلى قبل إقرار القانون. كذلك اعتبر أن القانون يتعدّى على صلاحيات السلطة التنفيذية، مستندًا إلى المادة الأولى منه التي تنص على أن العفو العام يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية، وإسقاط جميع الملاحقات والأحكام والقرارات، بما فيها القرارات الإدارية الصادرة بحق موظفين بغير تهم الفساد المالي، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية. وبحسب الطعن، لا يقتصر هذا النص على تحديد الآثار الجزائية للعفو، بل يمتد إلى إسقاط قرارات إدارية صادرة عن الجهات المختصة، بما يتجاوز صلاحية المشرّع في تعديل القواعد العامة الناظمة لعمل الإدارة. واعتبر أن تدخّل القانون مباشرة في مصير قرارات إدارية قائمة وإسقاط آثارها يؤدي عمليًا إلى حلول السلطة التشريعية محل السلطة التنفيذية في ممارسة الوظيفة الإدارية. أما المحور الثالث، فتناول مخالفة مضمون قانون العفو للمعايير الدستورية والدولية، وحدّد 4 معايير يجب توافرها في أي قانون للعفو العام. ويتمثل المعيار الأول بوجود غاية مرتبطة بالمصلحة العامة تبرر اللجوء إلى العفو، والثاني بوجود صلة موضوعية بين الأفعال أو الأشخاص المشمولين بالعفو والغاية التي شُرّع من أجلها. أما المعيار الثالث، فهو احترام مبدأ المساواة وربط أي فوارق ينشئها القانون بغايته بصورة موضوعية، فيما يقوم المعيار الرابع على احترام التناسب بين الاستثناء الذي يُحدثه العفو في النظام القانوني والمصلحة العامة المراد تحقيقها، من دون تحميل الضحايا أو الغير أعباء تتجاوز الحدود الدستورية. وحذّر الطعن من تكريس سياسة الإفلات من العقاب وتحويل العفو من استثناء إلى قاعدة، معتبرًا أن المحاسبة تبقى الأصل، بينما يجب أن يظل العفو محصورًا بحالات محددة ومبررة. كما أثار مسألة مخالفة الحقوق الشخصية وحقوق الضحايا والغير والضمانات الممنوحة للأفراد ومبدأ المساواة، مشددًا على أن شمولية العفو أو آثاره الإجرائية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإسقاط النتائج المدنية والشخصية المترتبة على الجريمة. وأكد أن القانون لا يمكنه تعطيل حق الضحية في الوصول إلى القضاء وإثبات الضرر والحصول على التعويض. وتناول الطعن أيضًا ما وصفه بتحوير الأصول الدستورية وإحلال العفو العام مكان العفو الخاص، إلى جانب خرق مبدأي شمولية القانون وتجرّده. ولفت إلى أن إحالة النص إلى قانون صادر عام 2011 تجعله يشمل أشخاصًا محددين ومعروفين، بدل أ