الحدود التي بلغتها سياسة "الضغط الأقصى" والعقوبات الاقتصادية ضد إيران تطرح إشكالية معقّدة أمام صانع القرار في البيت الأبيض. فمع قدرة طهران على امتصاص جانب من الصدمات عبر شبكات التجارة الآسيوية وأسطول الظل، بات السؤال يتجاوز جدوى الخنق المالي إلى طبيعة الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبين حسابات تجنّب الصدام المباشر مع قوى كبرى مثل الصين، وحدود المراهنة على تحريك الداخل الإيراني، ماذا ستفعل إدارة ترامب إذا وصلت أدوات الضغط المالي والاقتصادي والحصار البحري إلى سقفها؟ وما الأوراق التي لا تزال في يدها؟ استهداف المعابر واحتواء النفوذ الإيراني في حديثه لـ"النهار"، يرى الخبير في الشأن الأميركي البروفيسور حسين الديك أن واشنطن قد تتجه إلى نقل مزيد من ثقل المواجهة نحو المعابر البرية، مع تراجع قدرة العقوبات المالية التقليدية وحدها على تحقيق أهدافها. ويعتبر الديك أن العراق يشكّل الحديقة الخلفية والرئة المالية الأهم لطهران، في ظل نفوذها السياسي والأمني الواسع وحضور الفصائل المسلحة. وبناءً عليه، يرجّح أن تمتد الضغوط إلى المنافذ الحدودية ومسارات التهريب غير الرسمية بين البلدين، وصولاً إلى استهداف منشآت تجارية إيرانية داخل الأراضي العراقية. كما يتوقع توسيع العقوبات على مصارف وشركات عراقية بهدف حرمان طهران من استخدام القنوات العراقية للوصول إلى النظام المالي الدولي، فيما قد تمتد الضغوط، بحسب تقديره، إلى المنافذ الإيرانية - الأفغانية، مقابل الاعتماد على التفاهمات السياسية في الملف الباكستاني. التفاوض المباشر أو الاحتواء طويل الأمد على المستوى الاستراتيجي، يوضح الديك لـ"النهار" أن خيارات واشنطن على المدى الأبعد تنحصر في مسارين. الأول هو التفاوض من موقع القوة لتحويل الضغوط إلى اتفاق شامل يتناول البرنامج النووي وأمن الملاحة والصواريخ الباليستية. إلا أنه يرى هذا الخيار بعيد المنال حالياً، في ظل عدم نضج القناعة الأميركية بالانتقال من سياسة "فرض الاستسلام" إلى "تبادل الضمانات". أما المسار الثاني، فيتمثل في استراتيجية احتواء ممتد وإدارة الصراع، من خلال التسليم بصعوبة إسقاط النظام بالقوة، والتركيز على منعه من امتلاك سلاح نووي، والحد من قدراته العسكرية ونفوذه الإقليمي، وتأمين الملاحة وفتح مسارات بديلة لتدفقات الطاقة والتجارة. ويستبعد الديك سيناريو الغزو العسكري المباشر ومحاولة استنساخ "النموذج العراقي" في إيران، نظراً إلى التعقيدات والكلفة الضخمة التي ينطوي عليها هذا الخيار. بائع يدفع عربة محمّلة بالبضائع في أحد أسواق طهران، 7 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب) الناقلات واستراتيجية الخنق الهجين من جانبه، يشير رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، في حديثه لـ"النهار"، إلى أن الإدارة الأميركية انتقلت عملياً إلى مرحلة "الخنق متعدد الأدوات"، إذ تجاوزت ملاحقة شركات التأمين والعقوبات على أسطول الظل إلى الحصار البحري والاستهداف المباشر لناقلات النفط الإيرانية. ويتوقع أبو النور أن تعتمد إدارة ترامب نهجاً هجيناً يمزج بين الضغط العسكري ومواصلة الخنق الاقتصادي وإبقاء باب التسوية المباشرة مفتوحاً، بهدف دفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات، ولا سيما مع اتساع نطاق المواجهة البحرية. لكنه ينبّه إلى أن رفع مستوى الضغط يزيد بدوره الكلفة الاقتصادية على واشنطن وعلى أسواق الطاقة العالمية. حسابات بكين وسقف التصعيد مع أسطول الظل وحيال التعاطي مع أسطول الظل، يلفت أبو النور إلى أن الولايات المتحدة تدفع بحدود الإنفاذ البحري للعقوبات إلى مستويات غير مسبوقة، مستبعداً في الوقت نفسه انزلاقها إلى صدام عسكري مفتوح مع السفن المتجهة نحو الصين. ويرى أن بكين تمثل سقفاً مهماً للتصعيد الأميركي، إذ تفضّل واشنطن التضييق التدريجي عبر العقوبات الثانوية والعمليات الاستخبارية والاعتراض الانتقائي، تجنباً لتحويل المواجهة مع إيران إلى أزمة مباشرة مع الصين. تغيير شروط بقاء النظام وتفكيك الجبهة الداخلية أما في ما يتعلق بتحريك الداخل الإيراني، فيشير أبو النور إلى أن استمرار النظام في تحمّل الضغوط قد يدفع واشنطن إلى توسيع الأدوات الموجهة نحو الداخل، وإن كان تغيير النظام لا يندرج ضمن الأهداف الأميركية المعلنة للحملة حتى الآن. ويرى أن العائق الأساسي أمام الذهاب إلى هذا الخيار يكمن في غياب بديل سياسي واضح وقادر على إدارة الفراغ. لذلك يرجّح أن تتجه الإدارة الأميركية إلى "تغيير شروط بقاء النظام" بدلاً من إسقاطه المباشر، عبر توسيع دعم الاحتجاجات، وتكثيف الحرب المعلوماتية، وتشجيع الانشقاقات داخل مؤسسات الدولة، بما يضعف قدرة النظام على إعادة إنتاج سلطته ويهيئ لمعادلات سياسية مختلفة في مرحلة لاحقة من المواجهة.