التصعيد الإسرائيلي في الجنوب... هل تُقرع طبول عدوان جديد على لبنان؟ لم يعد ممكناً التعامل مع التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان باعتباره مجرد سلسلة من «الردود العسكرية» العابرة. فحجم الغارات، واتساع رقعة الاستهداف، واستمرار الخروقات، كلها مؤشرات تفرض سؤالاً بالغ الخطورة: هل تستعد إسرائيل لعدوان جديد على لبنان، أم أنها تمارس سياسة الضغط بالنار لفرض وقائع سياسية وأمنية لا تستطيع انتزاعها بالمفاوضات؟ ما يجري في الجنوب يتجاوز منطق الاشتباك المحدود. إسرائيل تواصل ضرباتها، وتحتفظ بقواتها في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، وتتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار وكأنه لا يلزمها إلا بالقدر الذي يخدم حساباتها الأمنية والعسكرية. وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد:دولة تطالب المجتمع الدولي بوقف الاعتداءات، ومقاومة تؤكد حقها في مواجهة الاحتلال والعدوان، وانقسام داخلي يضعف القدرة على إنتاج استراتيجية وطنية موحدة. الرئيس جوزاف عون حذر مراراً من خطورة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكداً أن لبنان لا يمكن أن يقبل بتحويل أراضيه إلى ساحة مستباحة. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيرى أن استمرار الاحتلال والخروقات الإسرائيلية ينسف أي فرصة جدية للاستقرار.في المقابل، تواصل إسرائيل تبرير عملياتها بذريعة مواجهة تهديدات حزب الله، في خطاب يكشف أن تل أبيب لا تزال تتعامل مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة لفرض «الأمن الإسرائيلي» خارج حدودها. وهنا تكمن الحقيقة الأكثر خطورة: الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار معلن.أحياناً تبدأ بتوسيع تدريجي للضربات، ورفع سقف التهديدات، واستهداف البنية المدنية، واختبار قدرة الطرف الآخر على الرد.ومع كل غارة جديدة، تصبح المسافة بين «التصعيد المحدود» والانفجار الكبير أقصر. لكن الافتراض بأن إسرائيل حسمت قرارها بشن حرب شاملة يبقى سابقاً لأوانه.فتل أبيب قد تستخدم القوة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية:الضغط على لبنان، ومحاولة فرض ترتيبات جديدة في الجنوب، وإضعاف حزب الله ، وخلق وقائع ميدانية تمنحها أوراقاً إضافية في أي تفاوض مقبل. الخطر الحقيقي ليس فقط في نيات إسرائيل، بل في استمرار الفراغ الاستراتيجي اللبناني. فلبنان لا يستطيع مواجهة مرحلة كهذه بالانقسام وتبادل الاتهامات. الجنوب اليوم ليس مجرد جبهة عسكرية، بل اختبار للدولة اللبنانية كلها. إن استمرار التصعيد يعني أن احتمال العدوان الجديد لم يعد مجرد سيناريو نظري.فبين سياسة إسرائيل القائمة على القوة، وغياب الضمانات الدولية الفعلية، وتعقيدات الداخل اللبناني، يبقى السؤال مفتوحاً:هل ينجح لبنان في منع الحرب، أم أن الجنوب بات بالفعل على أبواب مرحلة أخطر؟