لم يعد اللبناني يعيش أزمة واحدة يمكن تجاوزها بقرار أو معالجة مؤقتة، فقد تراكمت الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تفعل الدولة لحماية مواطنيها عندما تعجز مؤسساتها عن تأمين أبسط حقوقهم؟ في الدولة الحديثة، لا تقاس قوة السلطة بقدرتها على إدارة الأزمات فقط، بل بقدرتها على حماية الإنسان في أصعب الظروف، ولبنان، الذي يعلن دستوره التزامه بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليس خارج هذه المسؤولية، بل يفترض أن تكون حماية الإنسان في صلب عمل مؤسساته.فحق اللبناني في الأمن ليس ترفاً، والطمأنينة ليست مطلباً ثانوياً. إلا أن الواقع يكشف فجوة مؤلمة بين المبادئ والنصوص وبين ما يعيشه المواطن. فالخطاب الطائفي والمذهبي، وخطاب الكراهية والتحريض والتضليل، إضافة إلى انتشار السلاح خارج الإطار الحصري للدولة، كلها عوامل تهدد الاستقرار وتضعف ثقة المواطن بقدرة الدولة على حمايته.لكن الأمن وحده لا يكفي. فالإنسان الذي لا يستطيع تأمين غذائه أو علاجه أو تعليم أولاده أو الحصول على عمل لا يشعر بأنه يعيش حياة كريمة، وهنا تأتي المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكرّس حق الإنسان في مستوى معيشي لائق، يشمل الغذاء والمسكن والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأساسية.وهذه الحقوق تجد ترجمتها في الواقع اللبناني اليومي. فالمريض الذي يعجز عن تأمين كلفة العلاج يواجه مشكلة في حقه في الصحة، والعائلة التي تكافح لدفع كلفة تعليم أولادها تواجه مساساً بحق أساسي، والشاب الذي لا يجد فرصة عمل أو يحصل على أجر لا يكفي لتأمين حاجاته يواجه أزمة تمس كرامته وحياته ومستقبله.كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي انضم إليه لبنان عام 1972، يكرّس هذه الحقوق بصورة واضحة، فالمادة 11 تتناول الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما في ذلك الغذاء والمسكن، والمادة 12 تتناول الحق في الصحة، فيما تتناول المادتان 6 و7 الحق في العمل وشروطه العادلة، وتتناول المادتان 13 و14 الحق في التعليم.أما أموال المودعين، فهي المثال الأكثر وضوحاً على أزمة الحقوق المالية في لبنان منذ الانهيار عام 2019، فالمواطن الذي وضع مدخراته في مصرف يعمل ضمن النظام القانوني للدولة وجد نفسه عاجزاً عن الوصول إلى أمواله أو استخدامها كما كان يتوقع.وهنا تبرز المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على حق كل شخص في التملك وعدم جواز تجريد أحد من ملكه تعسفاً، كما أن المادة 15 من الدستور اللبناني تنص على أن الملكية في حمى القانون ولا يجوز نزعها إلا وفق شروط محددة وبمقابل تعويض عادل.لذلك فإن قضية الودائع ليست مجرد مشكلة مصرفية، إنها قضية تتصل بحق الملكية وبالأمان القانوني وبالثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، فالمودع الذي يحتاج إلى أمواله لعلاج أو تعليم أو مسكن لا ينظر إليها كرقم في حساب مصرفي، بل كنتاج سنوات من العمل والتعب.ومن هنا، فإن أي معالجة للأزمة المالية يجب أن تكون عادلة وشفافة، وأن تحدد المسؤوليات، وألا تجعل المواطن الطرف الوحيد الذي يتحمل كلفة الانهيار.ولا يمكن حماية الحقوق من دون قضاء مستقل. فالمواطن الذي ينتظر سنوات للحصول على حقه، أو المودع الذي يبحث عن وسيلة قانونية لاستعادة أمواله، أو المتضرر الذي لا يجد طريقاً واضحاً إلى العدالة، يحتاج إلى قضاء يطبق القانون على الجميع دون تمييز.وعندما يشعر المواطن أن العدالة تتأخر أو أن النفوذ السياسي والطائفي قادر على التأثير في مسارها، تتحول مشكلته من قضية فردية إلى أزمة ثقة بالدولة كلها. لذلك يصبح إصلاح القضاء واستقلاله جزءاً أساسياً من حماية حقوق الإنسان، وليس مجرد مطلب إداري.وفي هذا السياق، يمكن للتعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان أن يساعد لبنان في دعم الإصلاح والمساءلة وتطوير آليات الحماية.كما أن القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، ومنها القراران 1559 و1701، ارتبطت بقضايا السيادة والاستقرار ودور الدولة في بسط سلطتها، وهي مسائل لا يمكن فصلها عن أمن المواطن وحمايته.لكن المسؤولية الأولى تبقى على الدولة اللبنانية، فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويراقب ويدعم الإصلاح، إلا أن بناء دولة قادرة على حماية شعبها يبدأ من الداخل.إن استعادة الدولة لا تبدأ من الاقتصاد وحده ولا من السياسة وحدها، بل من إعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام… المطلوب دولة تحمي مواطنيها دون تمييز، وقضاء مستقل، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وسياسات تضمن الأمن والصحة والتعليم والعمل والملكية والعيش الكريم.لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة حقيقية لبناء دولة القانون. دولة يشعر فيها المواطن أن القانون يحميه، وأن العدالة لا تباع ولا تؤجل، وأن حقوقه ليست موضوعاً للمساومة.فحين يصبح القانون ملجأً للضعيف، و