على وقع غارات جوية وهجمات بالمسيّرات، عادت تلة علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية في جنوب لبنان إلى الواجهة، ليعكس النزاع عليها بين جيش الاحتلال الاسرائيلي وحزب الله تساؤلات حول أهميتها الإستراتيجية لدى الجانبين. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم الخميس بدء موجة جديدة من الغارات على بلدات عدة في جنوب لبنان، أسفرت إحداها عن مقتل شابة وإصابة آخرين، بالتزامن مع توغل قوة إسرائيلية ترافقها دبابات وجرافات عسكرية في بلدة ميس الجبل. وفي محافظة النبطية، استهدف قصف مدفعي إسرائيلي أطراف بلدتي ميفدون وزوطر الشرقية، كما شن الطيران الحربي غارتين على حرج علي الطاهر عند الأطراف الشرقية لبلدة النبطية الفوقا، مما أدى إلى انفجارات قوية وتصاعد سحب كثيفة من الدخان. وتمثل مرتفعات علي الطاهر، التي ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، مركز ثقل للمنظومة الأمنية والمنطقة العازلة التي تسعى إسرائيل لفرضها بعمق 10 إلى 15 كيلومترا داخل الجنوب اللبناني، وفق الخريطة التفاعلية التي عرضتها قناة الجزيرة. وترتبط تلة علي الطاهر إستراتيجيا بقلعة الشقيف من حيث الارتفاع والإطلالة، وفق الخبير العسكري إلياس حنا ، كما تطل على منطقة الخيام وفقدان السيطرة على هذه التلة يعني فقدان الرصد الناري والميداني على كل تلك المرتفعات، بالإضافة إلى انكشاف حماية منطقة إصبع الجليل. في المقابل، يدرك حزب الله الأهمية البالغة لتلة علي الطاهر، ويسعى لمنع إسرائيل من استكمال منظومتها الأمنية عبر تثبيت معادلة ردع في المناطق المقابلة. وفي فقرة التحليل العسكري على شاشة الجزيرة، يفسر حنا هذا التكتيك بأن الحزب يعتمد على "منظومة قتالية موازية" ترتكز على نقاط حاكمة مثل بلدة "عرب صاليم" التي تمتلك إطلالة كاشفة على تلة علي الطاهر ذاتها. ويحذر حنا من أنه في حال تمكنت إسرائيل من السيطرة الفعلية والميدانية على تلة علي الطاهر، فإن مناطق واسعة ستسقط تحت إشرافها الناري المباشر، بدءا من كفر رمان، مرورا بالنبطية والنبطية الفوقا وكفر تبنيت، وصولا إلى دير الزهراني والسكسكية. ولمواجهة هذا الخطر، غيّر حزب الله من إستراتيجيته القتالية، متخليا عن أسلوب "الجيش المنظم أو الهجين" الذي كان يعتمده قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول في قطاعات متعددة (بدر و نصر وعزيز)، منتقلا اليوم لتبني تكتيكات "حرب العصابات" بامتياز، ومقيدا قتاله الدفاعي حاليا في قطاع نصر شمال نهر الليطاني. سياسيا، تعكس هذه التعقيدات الميدانية تعثر مسارات التفاوض. فإسرائيل التي ترفض تسليم النقاط الإستراتيجية للجيش اللبناني، لم توافق سوى على إدراج مناطق تقع خارج "الخط الأصفر" (مثل زوطر الغربية وفرون) كخيارات تجريبية، لضمان بقاء قواتها في عمق المنطقة العازلة بأمان. ويرى العميد إلياس حنا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية لا تنفصل عن الحسابات السياسية والانتخابية، لكن هدفها الإستراتيجي الأكبر يتمثل في تدمير "البيئة الحاضنة" للحزب ومنعه تماما من إعادة بناء وتكوين قدراته. وفي تقييمه لمآلات المشهد الحالي، يرى الخبير العسكري أن اتخاذ إسرائيل قرارا باقتحام تلة علي الطاهر للسيطرة عليها بشكل كامل سيتطلب قدرات عسكرية ضخمة تشمل حشودا برية ودعما ناريا مكثفا، والأهم من ذلك هو الحصول على "موافقة أمريكية مسبقة"، مستبعدا ذلك في الوقت الحالي. وعلى الصعيد الميداني، أظهرت الخرائط التفاعلية تصعيدا كبيرا في الساعات الأخيرة، حيث شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي خمس غارات جوية تركزت على قضاء النبطية وإقليم التفاح. وتوزعت الغارات بين ثلاث ضربات نفذتها طائرات حربية مقاتلة استهدفت بلدتي عرب صاليم والنبطية الفوقا، محلقة على ارتفاعات منخفضة، وغارتين نفذتهما طائرات مسيرة استهدفتا كفر رمان والنبطية الفوقا. وجاء هذا التصعيد الإسرائيلي بذريعة الرد على إطلاق حزب الله لمسيرتين مفخختين باتجاه القوات الإسرائيلية المتمركزة قرب تلة علي الطاهر. وبحسب الرواية الإسرائيلية، تم اعتراض إحدى المسيّرتين بينما غابت الأخرى عن شاشات الرادار، في حين يدعي الاحتلال أن قواته تعرضت لهجوم بخمس مسيّرات في تلك المنطقة خلال الشهر الماضي. يتزامن هذا القصف مع سياسة "الأرض المحروقة" التي يعتمدها جيش الاحتلال في القرى الحدودية الواقعة ضمن ما يسميها المنطقة الصفراء، حيث يقوم بعمليات تجريف وهدم ممنهج وتفجير كامل للمباني، وهي سياسة يفاخر بها وزير الدفاع الإسرائيلي معتبرا إياها تدميرا كاملا لإنهاء أي وجود سكاني بنسبة 100%. وتأتي هذه التطورات ضمن تصعيد إسرائيلي متواصل ضد قرى وبلدات جنوبي لبنان، رغم توقيع بيروت وتل أبيب اتفاقا بشأن انسحاب إسرائيلي تدريجي ضمن مسار تفاوضي برعاية أمريكية. ومنذ 2 مارس/آذار 2026، أسفر العدوان الإسرائيلي على لبنان عن مقتل ما لا يقل عن 4350 شخصا وإصابة أكثر من 12 ألفا آخرين، فضلا