بين حديث أميركي عن "أفكار جديدة" لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، وتصعيد عسكري روسي واسع أعقب أياماً قليلة من الهدوء، يتحرك المسار التفاوضي مجدداً، من دون مؤشرات واضحة حتى الآن إلى اقتراب اختراق سياسي. وصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى أوكرانيا الأحد، مباشرة بعد زيارة لموسكو، حاملين ما وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه اقتراح لإنهاء الحرب. لكن المهمة الأميركية بدت أقرب إلى محاولة لإعادة تشغيل قناة تفاوضية مجمّدة منذ نحو ستة أشهر منها إلى جولة حاسمة، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز". وتحدث كوشنر عن طرح "أفكار جديدة" على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من دون الكشف عن مضمونها أو تحديد جدول زمني لأيّ تسوية. وفي مؤشر إلى احتمال استئناف المفاوضات الثلاثية، قال ويتكوف إن جولته مع كوشنر حققت "تقدماً جوهرياً"، بما في ذلك التقدم نحو تحديد موعد لمحادثات أميركية روسية أوكرانية إضافية، فيما أعلن الكرملين أنه "لا يستبعد" استئنافها، من دون تحديد موعد أو مكان حتى الآن. ويريد زيلينسكي استغلال أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر لإعادة إحياء المسار الديبلوماسي، مشيراً إلى أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لاحقاً هذا الشهر قد توفر فرصة لمزيد من المحادثات بين واشنطن وكييف، إلى جانب احتمال عقد جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية مع موسكو، وإن لم يُتخذ قرار نهائي في هذا الشأن. وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس"، قال زيلينسكي إن الولايات المتحدة تبحث مع الطرفين أفكاراً يمكن أن تحدّ من التصعيد قبل الشتاء وخلاله، تشمل منشآت الطاقة والكهرباء وشحنات الحبوب وصادرات النفط والغاز. وأوضح أن الهدف يتمثل أولاً في استئناف المفاوضات، وثانياً في جعل الشتاء المقبل مختلفاً عن سابقاته التي شهدت هجمات روسية واسعة على البنية التحتية الأوكرانية. وأشار إلى أن الرسالة التي تلقاها من مبعوثي ترامب هي أن "الروس مستعدون للتفاوض"، لكنه أبدى حذراً حيال ذلك، معتبراً أن التحركات الروسية في ساحة المعركة وتصعيد الهجمات أخيراً لا يعكسان استعداداً مماثلاً لتقديم تنازلات. تطرح التطورات الميدانية علامات استفهام حول المسافة التي لا تزال تفصل التحرك الديبلوماسي عن أي تهدئة فعلية. فبعد توقف الهجمات الروسية المكثفة على كييف ثلاثة أيام تزامناً مع زيارة الوفد الأميركي، عادت موسكو الثلاثاء إلى شن هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وأدت الضربات، وفق أحدث حصيلة، إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة نحو 30. ولم تقتصر الضربات على العاصمة، بل طاولت أوديسا وخاركيف وسومي وزابوروجيا ودنيبروبتروفسك، واستهدفت بنى تحتية ومناطق مدنية. صورة جماعية تظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومستشار السياسة الخارجية بالكرملين يوري أوشاكوف والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميتريف في اجتماع مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو، (أ ف ب). يرى دكتور العلاقات الدولية خالد العزي، في حديثه إلى "النهار"، أن التحركات الأخيرة بشأن الحرب في أوكرانيا لا تعكس حتى الآن جدية روسية حقيقية في التوصّل إلى تسوية، معتبراً أن زيارة الوفد الأميركي لموسكو لم تحمل أفكاراً جديدة بقدر ما هدفت إلى إعادة إحياء المسار التفاوضي، في ظل استمرار الحرب واستنزاف الاقتصادين الروسي والأوكراني. وبحسب العزي، أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اللقاءات طرح شروطه السابقة، وفي مقدمتها انسحاب القوات الأوكرانية من المقاطعات الأربع التي أعلنت روسيا ضمّها، والحصول على اعتراف رسمي ودولي بها كأراضٍ روسية، إضافة إلى رفع العقوبات عن موسكو وإبقاء أوكرانيا دولة محايدة خارج حلف شمال الأطلسي. ويؤكد أن هذه الشروط لا تزال غير مقبولة بالنسبة إلى كييف. ويشير العزي إلى أن موسكو، في ظل عدم قدرتها على تحقيق أهدافها عسكرياً، قد تكون تسعى إلى هدنة تمنحها فرصة لإعادة تنظيم قواتها، أكثر من سعيها إلى سلام مستدام. لذلك، تبقى كييف متشككة في الطروحات الروسية، وتطالب بضمانات أمنية غربية فعلية تحول دون استغلال أي وقف للقتال للتحضير لهجوم جديد. في المقابل، يقول الدكتور في القانون والعلاقات الدولية بشارة صليبا لـ"النهار" إن الحرب في أوكرانيا وصلت إلى مرحلة بات فيها الغرب أمام واقع صعب، بعدما فشلت رهانات حلف شمال الأطلسي على حسم المواجهة مع روسيا عبر الدعم العسكري والمادي لكييف. ويعتبر أن هذا الدعم استنزف إمكانات كبيرة من دون أن يحقق نتائج ميدانية حاسمة، في وقت تتعرض فيه الجبهة الأوكرانية ومرافق البلاد الحيوية لضغوط متزايدة. وبحسب صليبا، فإن عجز الأوروبيين عن إحداث تغيير في مسار المعارك دفع الولايات المتحدة إلى التحرك وطرح مبادرة تفاوضية، وإن بقيت تفاصيلها غير معلنة بالكامل. ويرى أن واشنطن تسعى من خلالها إلى إقناع القيادة الأ