ما يدهشني في قصة سفّاحتَي الإسكندرية، ريا وسكينة، ما يدهشني حقًا، أن جميع المصادر التي تناقلت القصة، لم تجب أبدًا عن السؤال الأهم، من وجهة نظري؛ كيف عاشت العصابة فوق جثث الأموات؟ إن من يستخدم الأختين لتوقيع إدانة أخلاقية، أو إثبات تردٍّ عام أصاب المجتمع ككل، يغفل أن المحيط الذي تحركتا فيه، تحديدًا حارة النجاة التي طوت أرضها أربعة من الضحايا، بعدما استضافت المحششة والكرخانة الرئيسة في مشروع الأختين، كانت تسمى "طنطا الجديدة"، في استعارة للنجاح الكبير الذي أحرزته طنطا الأصلية في تجارة الجنس! كانت ريا وسكينة ورجالهما، وكذلك رجال ونساء حارة "النجاة" والحارات التي تجاورها -معرصين وأحرار- على علاقة مباشرة بتجارة الهوى والمزاج، وهو جزء متفرد من الحياة يتمايز عن أي محاولة لرسم ديموغرافيا مطمئنة عن ناس الإسكندرية، أو مصر عامة، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. فهم جماعة قائمة بذاتها من الناس؛ ثلاث حارات ربما تضم أكثر من 30 بيتًا على الأقل، مع وعي لكنه ليس كـ"الوعي"، ومعتقد لكنه ليس كـ"المعتقد"، وفقر لكنه ليس كـ"الفقر". ريا، مثلًا، في تصنيفها للمومسات، تصف الصفوة منهن، اللواتي لا وجود لهن في محيطها أو في تجارتها، بأنهن "نسوان شايلين شنط" (تقصد حقائب اليد). هذا وعي طبقي فريد، ويدل في الوقت نفسه على انفصالها عن الجماعة، لذلك تبقى قاصرة المحاولة المهولة للأستاذ الراحل صلاح عيسى في كتابه المؤسس "رجال ريا وسكينة"، الذي فسر الحادثة بوصفها نتاجًا مباشرًا للاحتلال، وما جره من إفقار وإذلال للمصريين، وتعامل مع هؤلاء باعتبارهم جماعة ذائبة في المجتمع، يمكن أن تمثل، بوحدتها، نواة للمجتمع كله. وهو المسلك ذاته الذي اتبعه صناع مسلسل "ريا وسكينة" المأخوذ عن الكتاب. وتحقيقات النيابة تضمنها كتاب بعنوان "سرداب المومسات" للدكتور محمد عبد الوهاب، وهو كتاب مهم وتافه في الوقت نفسه لأنه لم ينشغل من الأحداث إلا بطابعها الأخلاقي، حتى إنه يضع شريطة سوداء فوق صور "المومسات" العاديات اللواتي يعرض لهن ضمن مادة كتابه القائم في معظمه على التحقيقات، والتي حمدًا لله لم يطُل نصها مقصه. هذه التحقيقات، التي للأسف لم تعرض إلا للجانب الأخير من القضية قبل إيداعها المحكمة، تكشف واقعاً وأناساً وظروفاً تستحق التأمل كتجربة إنسانية جمعية خضعت لها مجموعة من البشر، فأنتجوا أداءً لا مثيل له، من الدناءة والوحشية. والوحشية هنا ليست وصفًا لفعل القتل وحده، وإنما تصف حياة بدائية تفتقر إلى كل ما ينظم الحضارة في صورها كافة. فسلامة السماك (العربجي في المسلسل)، مثلًا، الذي شهد قتل "أم عرفات" بائعة الجاز، كان نائمًا على سرير سكينة بينما أجهز حسب الله وعرابي الصوامعي على رقبتها، كان نائمًا ولم يأبه القتلة بوجوده، وكأنه حين يفيق على جلبة القتل يزعجه عبث الفئران بأواني الطهي. كان نائمًا وأفاق على المشهد ليتضامن معهم فورًا ويطالب بحقه في تركة القتيلة. أما سكينة فتفسر أمام المحقق الدماء فوق مرتبة سريرها بوقوع "الحرمانية" (الحيض)، والدماء التي تلطخ كمّ فستانها بأنها الدورة الشهرية أيضًا، وأنها "لا تدري ماذا تفعل بيدها وهي سكرانة"، قبل أن تجيب لاحقًا عن الكيفية التي تتحصل من خلالها على الأموال التي تصرفها على شراء الخمر، بأن تقول "هو ربنا بيخلق بني آدم وينساه"، وأن نبوية بنت جمعة زوجة التاجر (الدلالة الحرة في المسلسل)، التي قُتلت في بيت "أم أحمد النص" كانت قد مارست الجنس قبل قتلها ثلاث مرات وأوشكت على إتمام الرابعة لولا أن قتلها عبد الرازق يوسف. بينما تبقى ريا الأكثر إدهاشًا بينهم، فكانت ترقد كل ليلة فوق 12 جثة، تُبعدها عن أقربها بضعة سنتيمترات. السؤال الذي يدهشني في سبع مرات شاهدت خلالها المسلسل، وثلاث مرات قرأت فيها سفر صلاح عيسى، وعشرات الفيديوهات التي تستعرض القصة تاريخيًا، هو كيف عاش هؤلاء، جميعًا، فوق الأموات؟ يولي المصريون عناية فائقة بالأضرحة وساكنيها، وعلى مدار العصور، عاش البشر في المقابر وزرعوها أناسًا وأشجارًا ووردًا. وحكى لي قريب عن عمّ له، عاش قاطع طريق واحترف لعب القمار داخل القبور، لكن هذا الأخير تحديدًا كانت مساكنته الموتى عرضًا مطلوبًا في هروبه من السلطة أو من الموت ربما، فهل ذلك نفسه ما كانت تقوم به ريا؟ إنه تصور رومانسي يعارض فهمًا أعمق يمكن أن ينشأ عبر قراءة ملف التحقيقات الذي يزيد عن 2000 صفحة، ويصعب الحصول عليه في ظل التضييقات الأمنية المصرية على الوثائق، لكنه سؤال أتمنى أن أجد إجابته، كيف عاشت ريا وأكلت وتناسلت فوق من قتلتهم، بينما تشم في كل ساعة رائحة نتنهم. إن العالم أكثر تعقيدًا، صحيح، لكن مثالًا على اعتياد القذارة لا يكفي لإجابة مطمئنة أبدًا، فعرابي الصوامعي كان يلتقط البائعات المتجولات من الشارع ويسوقهم إلى بيت ريا، التي تنتف الريش عن الطيور الميتة أو تطهو لح