د. علي حمّود — باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد في علم العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الاتفاقات بما تتضمنه من نصوص، بل بقدرتها على إنتاج سلوك متبادل وقابل للتحقق. فعندما يلتزم طرف واحد، بينما يستمر الطرف الآخر في استخدام القوة وتغيير الوقائع على الأرض، يتحول الاتفاق من أداة للسلام إلى إطار لإدارة الأزمة.هذه هي المعضلة التي يواجهها لبنان اليوم في تعامله مع اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه برعاية ووساطة أميركية. فقد دخل لبنان المفاوضات بهدف استعادة سيادته وحماية أراضيه، إلا أن أداء السلطة السياسية يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على إدارة أوراق القوة وتحويلها إلى عناصر تفاوضية تضمن التزامات متبادلة.المشكلة ليست في مبدأ التفاوض؛ فهو أداة أساسية في العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الالتزام بالاتفاق هدفاً بحد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق المصلحة الوطنية.وهنا تبرز أهمية مفهوم السيادة لدى جان جاك روسو. ففي العقد الاجتماعي، ربط روسو السيادة بالإرادة العامة، ورفض أن تتحول الإرادة السياسية للشعب إلى إرادة خاضعة لقوة أخرى. ومن هذا المنظور، فإن أي تفاوض لا يحمي القرار السيادي للدولة يفقد جزءاً أساسياً من غايته.أما تجربة ونستون تشرشل السياسية فتقدم درساً مكملاً: الدبلوماسية الفعالة لا تنفصل عن امتلاك أوراق القوة. فالتفاوض الناجح لا يقوم على التنازلات الأحادية، بل على القدرة على توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية للوصول إلى تسوية تحفظ المصلحة الوطنية.وبين روسو الذي جعل السيادة أساساً للشرعية السياسية، وتشرشل الذي جسّد في الممارسة أهمية القوة في إدارة الأزمات، يبقى الدرس واضحاً: لا تستطيع دولة أن تفاوض بفاعلية إذا تخلت مسبقاً عن أوراق قوتها، ولا تستطيع حماية سيادتها إذا أصبح احترامها رهناً بإرادة طرف آخر.والتطورات الميدانية الأخيرة تجعل هذه المسألة أكثر إلحاحاً. فقد استمرت الغارات الإسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان، وسقط مدنيون، وتعرضت ممتلكات وبنى تحتية لأضرار واسعة، كما طال القصف منشآت صحية ومبنى يضم مؤسسات تابعة لوزارة المالية اللبنانية. وقد أثارت هذه الهجمات إدانات لبنانية ودعوات إلى تدخل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لوقف التصعيد.هذه الوقائع تضع الوسيط الأميركي أمام اختبار حقيقي. فالولايات المتحدة، باعتبارها الراعي والوسيط، تتحمل مسؤولية سياسية خاصة في منع انهيار المسار الذي ساهمت في بنائه. وإذا لم يستخدم الوسيط نفوذه لضمان احترام الالتزامات ووقف الاعتداءات، فإن مصداقية الوساطة نفسها تصبح موضع تساؤل.كيف يمكن مطالبة لبنان بالالتزام الكامل باتفاق، بينما لا يحصل في المقابل على ضمانات واضحة وقابلة للتحقق بشأن وقف الاعتداءات والانسحاب واحترام سيادته؟إن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية للمدنيين والمنشآت الطبية، ويخضع أي ادعاء بشأن وجود أهداف عسكرية لمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة. لذلك، فإن استمرار استهداف المنشآت المدنية أو تضررها يفرض الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة وتحديد المسؤوليات وفق القانون الدولي.لبنان لا يحتاج إلى تكرار عبارة "نحن ملتزمون باتفاق الإطار" بقدر ما يحتاج إلى إدارة هذا الالتزام وفق مبدأ المعاملة بالمثل. فالالتزام يجب أن يكون متبادلاً، والضمانات قابلة للتنفيذ، والخروقات ذات كلفة سياسية ودبلوماسية واضحة.وفي الرياضيات، إذا كانت النتيجة صفراً، فإن تكرار العملية نفسها لا يحوّل الصفر إلى نتيجة إيجابية. وفي السياسة، الأمر أكثر خطورة: تكرار استراتيجية تفاوضية فاشلة لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة مختلفة.يحتاج لبنان إلى استراتيجية تفاوضية تقوم على حماية سيادته، واستعادة أوراق القوة، وربط التزاماته بالتزامات الطرف الآخر، والمطالبة بضمانات أميركية ودولية وآليات تنفيذ ومراقبة واضحة.فالسلام لا يصنعه اتفاق يلتزم به طرف واحد، والسيادة لا تُستعاد بالبيانات، بل بقدرة الدولة على تحويل الاتفاقات إلى واقع.وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدولة بعدد الاتفاقات التي توقّعها، بل بقدرتها على حماية سيادتها وضمان احترامها.