"ليبانون ديبايت" - العميد منير شحادة بينما كانت إسرائيل توسِّع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، وتنفذ غارات وعمليات نسف في مناطق تمتد إلى ما بعد نهر الليطاني، خرج إلى العلن في إسرائيل حديث عن خطة لإعادة انتشار الجيش داخل الأراضي اللبنانية ضمن ما سُمِّي "الخط الرمادي". للوهلة الأولى، يبدو الأمر متناقضاً: كيف يمكن لدولة أن تصعِّد عسكرياً، ثم تتحدث في الوقت نفسه عن تقليص قواتها والانسحاب إلى خط أقرب إلى الحدود؟ لكن قراءة التوقيت والخريطة والهدف العسكري والسياسي للخطة تقود إلى استنتاج مختلف تماماً: إسرائيل لا تبدو وكأنها تستعد للخروج من جنوب لبنان بقدر ما تستعد لإعادة صياغة طريقة بقائها فيه. بحسب هيئة البث الإسرائيلية (كان ١١)، تناقش المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية خطة لإعادة انتشار قواتها التي تنتشر حالياً في المنطقة التي باتت تعرف بـالخط الأصفر، بحيث تتراجع إلى منطقة أقرب إلى الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. والخطة، وفق المصدر الإسرائيلي، لا تقتصر على انسحاب القوات من بعض المواقع ، بل تتضمن إقامة مواقع عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية على امتداد الخط الجديد، تكون بمثابة قواعد للجيش الإسرائيلي. والأهم أن الخطة لم تحصل بعد على المصادقة السياسية النهائية. إذن نحن أمام مفهوم مختلف عن الانسحاب التقليدي. الانسحاب التقليدي يعني عودة القوات إلى الحدود الدولية أو إلى خط متفق عليه مع الطرف الآخر. أما (الخط الرمادي) فيعني شيئاً آخر: تقليص مساحة الاحتلال، مع إبقاء الاحتلال نفسه قائماً. من "الخط الأصفر" إلى "الخط الرمادي" خلال الأشهر الماضية، وسَّعت إسرائيل انتشارها داخل الأراضي اللبنانية وأنشأت منطقة أمنية عميقة، وصلت في بعض المناطق إلى ما يقارب عشرة كيلومترات. هذه المنطقة تحولت عملياً إلى واقع عسكري جديد، أطلقت عليها إسرائيل في خطابها "المنطقة الصفراء" أو "الخط الأصفر". لكن هذا الانتشار الواسع له كلفة. فكلما زاد عمق القوات الإسرائيلية داخل لبنان، زادت حاجتها إلى قوات برية، ومواقع، وإمدادات، وحماية، وأصبحت أكثر عرضة للاستهداف. لذلك، فإن الانتقال من منطقة واسعة إلى شريط أضيق قد يكون منطقياً عسكرياً. لكن إسرائيل لا تريد أن تعود إلى الوضع السابق للحرب. إنه محاولة لتحقيق المعادلة التالية: قوات أقل ، مساحة احتلال أصغر ، مواقع ثابتة ، قدرة نارية واسعة ، حرية تدخل داخل لبنان. وهذه ليست معادلة انسحاب ، إنها معادلة احتلال أكثر كفاءة وأقل كلفة. التوقيت هو أكثر عناصر الخطة إثارة للاهتمام. فالإعلان الإسرائيلي جاء بعد إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق (السيطرة العملياتية) على مرتفعات علي الطاهر، وبعد الحديث عن اكتشاف وتدمير أنفاق وبنى تحتية تحت المرتفع. وتقول المصادر الإسرائيلية إن تقليص القوات يأتي في أعقاب إتمام هذه العملية. وهنا يمكن قراءة التطور على مستويين. إسرائيل تريد القول إن مهمتها في المناطق الأبعد عن الحدود قد أنجزت. أي أنها دخلت إلى العمق، دمرت البنى التي تعتبرها خطراً، سيطرت على المرتفعات الاستراتيجية، ثم تستطيع الآن تخفيض حجم قواتها. لكن هذا التفسير لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا تحتاج بعد ذلك إلى مواقع عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية؟ إذا كان التهديد قد انتهى، فالمنطقي هو الانسحاب إلى الحدود. أما الاحتفاظ بقواعد داخل لبنان فيعني أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بقدرتها على العودة والتدخل. طرح (الخط الرمادي) جاء في توقيت شديد الحساسية، مع التحضير لجولة جديدة من المفاوضات في روما. وهذا يعني أن إسرائيل تدخل التفاوض وهي تحمل معها خريطة ميدانية جديدة. فالجيش الإسرائيلي لا يريد أن يناقش فقط السؤال: الهدف الخفي: تحويل الاحتلال إلى ورقة تفاوض قد يكون الهدف الأهم من طرح "الخط الرمادي" هو تحويل الواقع العسكري الذي فرضته إسرائيل خلال الحرب إلى ورقة تفاوضية. لقد دخلنا إلى عشرة كيلومترات، وأقمنا منطقة أمنية، وسيطرنا على مرتفعات استراتيجية، ودمرنا البنى التي نعتبرها تهديداً، والآن يمكننا أن نتراجع إلى ٢-٤ كيلومترات. وبذلك تستطيع تل أبيب تقديم التراجع باعتباره تنازلاً إسرائيلياً كبيراً. لكن من الناحية العملية، سيبقى جزء من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. إسرائيل تحاول نقل نقطة الصفر في التفاوض من الحدود الدولية إلى الخط الذي فرضته هي ميدانياً. بدلاً من أن تفاوض إسرائيل على الانسحاب من لبنان، تريد أن تفاوض على حجم المنطقة التي ستبقى فيها داخل لبنان. لماذا لا تنسحب إسرائيل إلى الخط الأزرق؟ فالخط الأزرق موجود أصلاً، وهو خط الانسحاب الذي حددته الأمم المتحدة. إذا كان الهدف هو حماية الحدود الشمالية لإسرائيل، فإن إسرائيل تستطيع بناء مواق