يُصاب المرء بأمراضٍ كثيرةٍ يُشفى منها بعدَ معاناةٍ، بما فيها السرطانُ الذي يقال له في الخليج "المَرَضُ الشين" وفي بلادِ الشامِ "المَرَضُ الخَبيثُ" خوفاً من ذِكْرِهِ على سَبيلِ التشاؤم. إنما هناكَ أمراضٌ، خصوصاً في البيئةِ العربيةِ الإسلاميةِ، أشدُّ خطورةً على الشخصِ نَفْسِهِ والشخصيةِ المُجْتَمَعِيَّةِ يُمْكِنُ اختصارُها بـ "لَعْنَةِ الأيديولوجيا"... لَعْنَةٌ تَتَحَوَّرُ وتَتَكَوَّرُ منذ مِئاتِ السِنين، تَلْعَبُ دَوْراً كبيراً في حَصْدِ أرواح، بعضُها يَفْتَدي نَفْسَه سعيداً وبعضُها يَحْصُدُ من الآخَرينَ ما يَحْصُدُ وَفْقَ تَفْسيرِهِ وقَناعَتِهِ للحَلالِ والحَرامِ والكُفْرِ والإيمانِ والعَدُوِّ والصَديق. يولَد البعضُ منا مُتَأَثِّراً بِهَيْمَنَةِ الفِكْرِ الأَبَويّ، فإن كانت الايديولوجيا ساكِنَةً للمنزلِ (عنصرية، يمينية، يسارية، قومية، مذهبية، دينية متطرفة ...) تؤسِّسُ قاعدةُ التكوينِ المبكرِ قناعاتٍ خاصةً يَصْعُبُ الخروجُ منها إلا بِجُهْدٍ فكريّ مُمَيَّزٍ، كما تؤسِّس القناعاتُ الزائرةُ من خارجِ المنزلِ قواعدَ تكوينٍ عامةً يَسْهُلُ الخروجُ عليها أكثر من قصةِ العِلْمِ في الصِّغَر. هذه القناعاتُ يُمْكِنُ أن يَتَكَفَّلَ مُدَرِّسٌ بِزَرْعِها، أو تلميذٌ جاذِبٌ في الصفِّ نَعتبرُهُ قُدْوَةً يجب مُصادَقَتُه، أو الفتى "البطل الشهم" في الحيّ الذي يَحْمي رفاقَه إن دَعَتْ الحاجة. والأيديولوجيا تتمدّدُ بِذكاءٍ مُراعِيَةً الأعمار والإمكانات والشخصية، تبدأ بعنصرِ التميُّزِ لِحَصْدِ إعجابٍ، وتتغذى بالاستسلام المُطَّرِدِ، وتتسيّد بالطاعة والقناعة ... أساليبُها كثيرةٌ تَدخل فيها عناصرُ الشعورِ بالقوةِ والزهو والإيمان والدور والرسالة والريادة والطليعة. كلُّ عنصرٍ منها يتدرّج في فترةِ المراهقةِ مستكملاً عنصراً ثانياً لتَكتمل الحلقة. نَكبر في العمر وتَكبر نظرةُ عدم الرضا للكيانات السياسية والمجتمعات، تَضَعُنا الأيديولوجيا في مواجهةٍ مستمرةٍ مع الآخَر سواء كان دولةً أو مكوّنات بشرية. َتضَعُنا حتى في مواجهةٍ مع دائرتنا الصغرى، أهلِنا، بحجة عدم امتلاكِهِم القدرةَ على استيعاب الدور المأمول من ابنهم أو ابنتهم، فنحن أصحابُ رسالةٍ لا تستقيم مع السلوكِ التقليدي الهادئ الباحِثِ عن "أَكْلِ العيش" وتأمينِ الحاضرِ والمستقبل. نَصِفُهُم بالنَمَطيينَ في زَمَنٍ تريد الأيديولوجيا منا أن نَكسر النمطيةَ ونكونَ رواداً وطليعيين. لكن المفارقةَ أن أحد أسبابِ الانغماسِ في الأيديولوجيا، أي الشعورِ بالزهو الشخصي والأهمية، ينتهي تماماً من دون إدراكٍ عندما نصبح، حَرْفِياً، "عَبَدَةَ" الفكرةِ سواء كانت خطاً سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً، ومن ثم "عَبَدَةَ" الوسيط، سواء كان هذا الوسيطُ مفكِّراً أو شَيْخاً أو قائداً سياسياً وحزبياً أو أميرَ جماعةٍ ... في النقاشات، تكتشفُ أن الرأيَ الخاصَّ بـ "المرجعيات" صار من البدهيات، وتَشعر أن أحداً ما يدير أمورَ التابعينَ بما يُشْبِهُ الريموت كونترول، بل تشعر أن أمواتاً كانوا أشخاصاً عاديينَ متخصصينَ في عِلْمٍ ما أو مَذْهَبٍ سياسي وشرعي يسيطرون مِن قبورهم على عقولِ البعضِ ويوجّهون حَرَكَتَهُم. بالمنطقِ يُقال "الحَيُّ أَبْقى من المَيت"... في النموذجِ الذي نتحدّثُ عنه "المَيت أَبْقى من الحَيّ". وإن كان الهيكلُ العسكري في الجيوش يَعتمدُ قاعدةَ "نَفِّذْ ثم اعترِض"، فإن في حالةَ العبوديةِ التي نتحدّثُ عنها يُنَفِّذُ المرءُ ولا يَعترض، والأخطرُ أنه ينفّذ وهو سعيدٌ، بل يَعتبر أنه تَمَيَّزَ وتَفَوَّقَ عن غيره بوقوعِ القُرْعَةِ عليه ليكون "المُخْتارَ" بين أقرانه كي يَدْخُلَ التاريخَ من بابِ تفجيرٍ انتحاريٍّ هنا، أو خَطْفِ طائرةٍ هناك، أو ذَبْحِ شخصٍ أو احتجازِ رهائنَ أو حتى التعرّضِ ببذاءةٍ مُعْلَنَةٍ لمعتقداتِ الآخَرين ومقدّساتهم مُحْدِثاً فتنةً لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ... المَهِمُّ أن يُخالِفَ فَيُعْرَفَ، وأن يشعر بزهوٍ يَحْمِلُهُ من وُجْهَةِ "عُبودِيَّتِه" إلى مَقاعدِ التاريخ. أَفْلَتَ البعضُ من لعنةِ الإيديولوجيا قبل أن تحرقه وتحرق محيطَه معه، وساعدتْ الثورةُ التقنيةُ في تعبيدِ الدروبِ لهذا الإفلاتِ مشفوعةً بصحوةِ تَفْكيرٍ عَكْسَ السَيْر. أما الغالبيةُ فَأَكْمَلَتْ الطريقَ بِحَماسَةٍ غير آبهةٍ لأي شكلٍ من أشكالِ التعارُضِ مع الحقِّ والمَنْطِق. لم تَعُدْ الحقيقةُ هي الفارِقَ الواضحَ بين الصحِّ والغلطِ بل في توجيهِ "الوسيط - الرمز" وتَقَبُّلِ المتلقّي ... وما عدا ذلك كَذِبٌ وافْتِراء. تعدّدتْ أشكالُ لعنةِ الأيديولوجيا واتَّخَذَتْ لَبُوساً مُخْتَلِفاً، لكن كلمةَ المرورِ أو "الباسوورد" واحدةٌ: "بالروح بالدم"... وعندما تَسْمَعُها، تَحَسَّسْ الخطَر َواستشعِرْ التَخَلُّف.