لا تُقاس تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء العالمية على لبنان بحجم الزيادة المسجّلة في المؤشرات الدولية فحسب، بل بقدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص كلفة الإنتاج والاستيراد والنقل، في ظل استمرار هشاشة القدرة الشرائية. فكل اضطراب يطال أسواق النفط والطاقة أو المواد الأولية الزراعية، ولا سيما الأسمدة، يفتح حلقة جديدة من الضغوط على كلفة السلع، فيما يبقى توقيت انتقالها إلى الأسواق المحلية مرتبطًا بمسار الإمدادات والمخزونات والمواسم الزراعية. بينما لا تزال الزيادات العالمية المسجّلة في اسعار المواد الغذائية ضمن مستويات يمكن وصفها بالمعقولة، وفق رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي، فإن المخاوف الاقتصادية لا تتوقف عند الأسعار الحالية، بل تمتد إلى كلفة المواسم المقبلة. فاضطراب سوق الأسمدة، إلى جانب العوامل المناخية والتطورات الأمنية، قد يضغط على حجم الإنتاج وتوافر المحاصيل، بما يجعل ارتفاع أسعار الغذاء في لبنان احتمالاً قائمًا، وإن كان من المبكر تحديد نسبته أو موعده بدقة. في هذا السياق، يؤكد بحصلي لـ "نداء الوطن"، أن "التطورات الحالية ليست وليدة اليوم، وبالتالي لا يمكن التعامل معها على أساس أن ارتفاعًا إضافيًا في الأسعار سيحصل حتمًا خلال أسبوع أو عشرة أيام أو عشرين يومًا"، مشددًا على أن "الصورة أكثر تعقيدًا وترابطًا، وترتبط بالوضع العام على المستويات كافة". ويقول بحصلي: "هناك حلقة متكاملة مرتبطة بالوضع العام بأكمله، والقصة متشابكة جدًا بين الوضع في إيران، وما يحصل في مضيق هرمز، وبين التطورات في روسيا وأوكرانيا". ويشير إلى أن "النظرة المستقبلية ليست إيجابية، لكنها في الوقت نفسه ليست سوداوية"، واصفًا المرحلة بأنها "محيرة"، الأمر الذي يجعل من الصعب، وفق رأيه، "تقديم توقعات دقيقة لما ستؤول إليه الأوضاع خلال الأشهر المقبلة". في تعليقه على ما أعلنته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" بشأن ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي في آب 2026 إلى 133.3 نقطة، بزيادة بلغت 1.9 % مقارنة بتموز، و2.5 % مقارنة بآب 2025، وهو أعلى مستوى للمؤشر منذ تشرين الثاني 2022، يعتبر بحصلي أن هذه "الارتفاعات لا تزال ضمن مستويات يمكن وصفها بالمعقولة والمقبولة". ويلفت إلى أن "قراءة تطورات أسعار الغذاء لا يمكن فصلها عن مجموعة من العوامل المتداخلة"، موضحًا أن "هناك عدة مؤثرات يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم مسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة". ويضع بحصلي العامل العسكري في مقدمة هذه المؤثرات، معتبرًا أن تأثيره "غير واضح بالمرة"، لكنه يوضح أن "انعكاساته تطال بصورة أساسية أسعار النفط، وهو أمر ليس جديدًا على الأسواق العالمية". ويقول: "التطورات العسكرية تبقى عاملا رئيسيًا في تحديد اتجاه أسعار الطاقة، وبالتالي فإن أي اضطراب إضافي على هذا المستوى يمكن أن ينعكس على مختلف حلقات سلسلة الإمداد، إلا أن حجم التأثير وتوقيته لا يزالان مرتبطين بما ستؤول إليه التطورات على الأرض". أما العامل الثاني، فيرتبط بأزمة مضيق هرمز وانعكاساتها على سوق الأمونيا والأسمدة، إذ يوضح بحصلي أن "جزءًا كبيرًا من المواد الأولية المستخدمة في إنتاج الأسمدة العالمية يخرج من قطر، وبالتالي فإن أي اضطراب مرتبط بمضيق هرمز ينعكس حكمًا على سوق الأسمدة". ويصف سوق الأسمدة في المرحلة الحالية بأنه "ليس جيدًا ومخربط"، لكنه يشدد على "ضرورة عدم إسقاط هذا العامل بصورة مباشرة على أسعار السلع الموجودة حاليًا في الأسواق، لأن تأثيره الأساسي قد يظهر على المدى المتوسط والبعيد، ولا سيما في المحاصيل الزراعية المقبلة". ويشرح أن "اضطراب سوق الأسمدة لن يعني بالضرورة ارتفاع أسعار المواد الغذائية "اليوم"، بل قد تنعكس تداعياته على المحاصيل خلال العام المقبل، أي في 2027 و2028، بما يؤثر في حجم الإنتاج وتوافر المحاصيل وكلفتها". لا تقتصر العوامل المؤثرة، بحسب بحصلي، على الحرب والطاقة والأسمدة، إذ يبرز عامل مناخي لا علاقة له بالتطورات العسكرية، وهو ظاهرة "النينيو"، التي تتكرر بصورة دورية وترتبط بالتغير في حرارة المياه في المحيطات، ما ينعكس على درجات الحرارة العامة وعلى المحاصيل الزراعية. ويشير إلى أن ظاهرة "النينيو" تحصل كل سنة أو سنتين، إلا أن التقديرات تشير إلى أن تأثيرها هذه السنة قد يكون أقوى من المعتاد، وبمستوى يعتبره من الأقوى خلال نحو 150 عامًا". ويحذر من أن اجتماع تأثير "النينيو" مع الاضطرابات التي يشهدها سوق الأسمدة يمكن أن يضغط سلبًا على المحاصيل الزراعية، وبالتالي على توافرها وأسعارها. لكنه في الوقت نفسه يشدد على ضرورة عدم المبالغة في قراءة هذه التطورات، قائلا إن "ما يحصل لا يعني أن الناس ستشهد مجاعة"، موضحًا أن "التأثيرات قد تظهر بصورة أكبر في بعض البلدان، ولا سيما في أفريقيا، فيما لا يعني ذلك حكمًا أن لب