"الحرب هي وسيلة الله لتعليم الأميركيّين الجغرافيا". على الأرجح، استقى الصحافي الأميركي الساخر أمبروز بيرس (1842-1914) الجملة المنسوبة إليه من مشاركته في الحرب الأهلية الأميركية. لكنّ الأميركيين بدوا بطيئين في تعلّم الجغرافيا الدولية. فعلمُ رسم الخرائط، الكارتوغرافيا، كان ضعيفاً نسبياً في الولايات المتحدة مع مطلع الحرب العالمية الثانية، كما يخبرنا المؤرّخ الفرنسي فلوريان لويس في كتابه: "عن الجغرافيا السياسية في أميركا" (De La Géopolitique En Amérique - 2023). في صيف 1942، نبّهت مجلّة "لايف" الأميركية إلى أنّ "الحرب العالمية تُعلّم الكارتوغرافيا العالمية". لكنّ هذا العلم لم يكن غاية بحدّ نفسه. لذلك، يمكن فهم سبب ضغط أفريقيا مؤخراً باتجاه إصدار خريطة عالمية جديدة مختلفة عن تلك التي اعتاد العالم على تفحّصها طوال قرون: خريطة العالِم البلجيكي جيراردوس مركاتور. الخرائط... اختَر التشويه الذي يناسبك أراد مركاتور سنة 1569 أمراً بسيطاً، وهو منح البحّارة وسيلة أسهل للتخطيط الملاحي. لذا، جعلَ مسارَ الملاحة، أي ذاك الذي يحافظ فيه البحّار على الاتّجاه نفسه بالبوصلة، يظهر على الخريطة كخطّ مستقيم. حقّق رسّام الخرائط هدفه، لكن على حساب تناسب المساحات. كلّما اقتربت المناطق أكثر من القطبين تضخّمت مساحتها على الخريطة قياساً بالمناطق الاستوائية. على سبيل المثال، يبدو مجموع مساحتي الولايات المتحدة والصين أكبر من مساحة أفريقيا الكاملة. لكن واقعياً، تفوق مساحة القارة مجموع مساحات الولايات المتحدة والصين والهند معاً، بنحو الثلث تقريباً. إسقاط مركاتور للعالم الواقع بين خطي عرض 85 درجة (ويكيبيديا) من هنا، رأى خبراء وناشطون من أفريقيا أنّ إسقاط مركاتور خفّض قيمة القارة البشرية والاستثمارية. لذا، تبنّى الاتحاد الأفريقي مبادرة تصحيح خريطة أفريقيا ودعم إسقاطات أكثر دقة في التمثيل. ثم دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الجمعة إلى التخلي التدريجي عن "مركاتور" وتبني إسقاطات أكثر إنصافاً، على رأسها إسقاط الأرض المتساوية (Equal Earth) التي طوّرها علماء سنة 2018 بناء على إسقاط سابق يعود إلى الستينات. لكن بالرغم من تناسب المساحات، ليست الخريطة الجديدة ملائمة للملاحة أو لقياس المسافات بين أماكن مختلفة. ما من طريقة مثاليّة لتمثيل سطح كوكب الأرض المنحني بمخطّط ثنائيّ الأبعاد، من دون أيّ نوع من أنواع التشويه، أكان في الشكل أم المساحة أم المسافة أم الاتجاه. لذا، الخيار المتاح هو انتقاء خريطة ذات تشويه دون آخر، بحسب الغرض المطلوب. في السياسة، وهنا بيت القصيد، استند انتقاد خريطة مركاتور إلى وجود "استعمار خريطي" وتحيّزات موالية للغرب، بما أنها تجعل دول الغرب أضخم نسبياً على الخريطة. لكن من بين أكثر المتضررين السابقين من إسقاط مركاتور دولة غربية عارضت مشروع "الأرض المتساوية" في الأمم المتحدة: الولايات المتحدة. منحت خريطة مركاتور الأميركيين وهْمَ الأمان قبيل الحرب العالمية الثانية، بحسب لويس، المؤرّخ وعالم الجيوبوليتيك الفرنسي. إن إسقاط رسّام الخرائط البلجيكي يضع المحيط الأطلسي في محور المشهد. ساهم ذلك إلى حد كبير في عدم توقع الأميركيين هجوم بيرل هاربور. فاليابان كانت دولة "بعيدة جداً" عن الولايات المتحدة لكي تهاجمها. بالفعل، هذا هو انطباع كل من يراقب إسقاط مركاتور. وللوهلة الأولى أيضاً، يمكن نسيان أنّ الولايات المتحدة تبعد عن روسيا 82 كيلومتراً فقط، عند قياس المسافة من مضيق بيرينغ، وهو ما يتجاهله الإسقاط نفسه. (وصل الإنسان للمرة الأولى إلى القارة الأميركية قبل نحو 12 ألف عام على الأقل عبر جسر بري في منطقة المضيق أتاحه انخفاض المياه في المنطقة بسبب العصر الجليدي السائد آنذاك). مضيق برينغ بين روسيا وألاسكا، صورة من الفضاء (ناسا). لهذا السبب، اختار عالم الخرائط ريتشارد هاريسون (1901-1994) خلال الحرب العالمية الثانية الإسقاط السمتي المتساوي الأبعاد (Azimuthal Equidistant Projection) فجعل القطب الشمالي مركز الخريطة، وهو الإسقاط الذي تستخدمه الأمم المتحدة حالياً على علمها. كان هدف اختياره، بحسب لويس، إخراج الأميركيين من صدمة بيرل هاربور، وحثّهم على تغيير نظرتهم الانعزالية الى بلادهم وبالتالي إلى دور الولايات المتحدة في العالم الجديد. في ذلك الوقت أيضاً، كان عالم الطيران يدفع باتجاه التخلص من التصورات السابقة التي ولّدتها خريطة مركاتور. في إحدى النواحي، كان الاتحاد الأفريقي محقاً. الخرائط أكثر من مجرد أدوات موضوعية لمحاولة تمثيل الجغرافيا على الورق. لكن إعادة مساحة أفريقيا المرسومة إلى حجمها الطبيعي قد لا تكون ضمانة للإنصاف. حتى مع الخريطة السابقة، كانت القارة مركز أطماع القوى الاستعمارية بالرغم من صغر مساحتها على الورق. ربما تراهن أفريقيا اليوم على أن حقبة الاستعمار