قبل أسبوع من الجولة الأولى للتفاوض المباشر في نيسان (أبريل) الماضي، اختصر الجيش الإسرائيلي تقديراته بأن نزع سلاح "حزب إيران/ حزب الله" لم يعد هدفه "في الوقت الحالي"، وأن هذا الهدف "يتطلب احتلالاً كاملاً لـ لبنان". وبعد أربع وعشرين ساعة على سقوط تلة علي الطاهر صار التقدير أن "الطريق إلى بيروت والبقاع أصبحت مفتوحة". وهكذا تبدّلت الحال لدى العدو من هدف مستحيل أو غير واقعي، إلى هدفٍ ممكن. لم يحصل قتال أو مواجهة، بل حصل ترتيب لانسحاب مقاتلي "الحرس الثوري الإيراني" و"الحزب" (إعلان إسرائيلي أن "لا إيرانيين" في الموقع)، وبُثّ شريط لعسكري عند فوهة نفق يعلن "السيطرة" على "هرمز لبنان"، ثم انشغل مجرمو الحرب الإسرائيليون باستثمار الحدث في "انتخابات نتنياهو"، مع تأكيد عدم الانسحاب "قبل نزع السلاح". ووسط الاحتفال بالإنجاز نسوا أن يعلنوا: "شكراً إيران". باستثناء عبارة سقيمة وسخيفة، مفادها أن تلك التلّة ليست مهمّة، نسي قادة "الحزب" وأبواقه كل ما قالوه عنها طوال شهور من قبيل التفخيم والأسطرة. اختاروا الصمت لأنهم، كما قيل، لا يريدون المساهمة في ضجّة مضخّمة يفتعلها العدو. وتبرّع بعض المتلوّنين بالقول إن ما حصل كان "أفضل" من تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، أي إلى الدولة، بحجّة أن ذلك ما كان ليمنع الإسرائيليين من دخوله، لأنهم كانوا يحكمون الحصار عليه. قرّرت طهران ونفّذ "الحرس"، بموافقة "الحزب" استتباعاً، تسليمه إلى العدو، وكأن تلك المرتفعات ليست لبنانية، بل مُلكِية إيران و"حزبها". وتعتقد إيران أن هذا يدعم الاستمرار في كذبة "المقاومة" ويضمن إبقاء لبنان ورقة تفاوضية في يدها، كما يمكّن "الحزب" من مواصلة تأثيم الدولة وإضعافها. فمن يفاوض على استعادة الأرض "خائن"، أما مَن يسلّم إلى العدو الجنوب وصولاً إلى تلة علي الطاهر فهو "مقاوم". لم يراهن اللبنانيون على "صمود" المقاتلين في التلّة، بل على سيطرة الجيش اللبناني عليها، لذلك أشاع تسليمها إلى العدو إحباطاً شديداً. ولم يتأخر الإسرائيليون في التأكيد أن هذا الحدث ليس نهاية المطاف، وأن الحرب مستمرّة حتى "نزع السلاح". وللتوّ باتت النبطية الهدف المباشر التالي، أما الأهداف الأخرى أمام العدو فكثيرة، من سجد والريحان إلى البقاع الغربي وصولاً إلى بعلبك، ومن الزهراني إلى ما بعده وصولاً إلى الضاحية وبيروت. كل الخيارات على طاولة مجرمي الحرب، باستثناء طاولة المفاوضات التي أصبح واضحاً أنه ليس معنياً بما يدور فيها ولا بما يمكن أن تقدّمه الدولة، ما دامت لم تفوّت فرصة إلا أكّدت عجزها عن نزع سلاح "الحزب" أو ضبطه، وما دامت ترتيبات موازية أكثر جدوى تأتيه من طهران في سياق مفاوضات غير مباشرة، ولكن مستمرّة مع الأميركيين. ليس واضحاً مَن رمى فكرة أن طهران هدّدت بردٍّ قوي إذا هاجمت إسرائيل تلة علي الطاهر، إذ نُسبت إلى "مسؤولين مطّلعين" ثم تبيّن أنها مجرد إشاعة لتغطية ما حصل لاحقاً. قد يكون "الحزب" أطلقها تعبيراً عن إحباطه، ثم صدّقها، ثم غرق في الصمت. أما الدولة- المحبطة أيضاً- فلا خيار لديها سوى التفاوض لئلا تكون إيران أو "حزبها" بديلاً منها. لكنها أصبحت متأكدة الآن من وجود عدوّين على أرضها: إسرائيل وإيران.