في الملفات المعقدة تقاس أهمية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بقدرتها على فتح الأبواب المغلقة، والتعاطي مع اطراف يصعب الوصول إليها او التواصل معها سيما إن تعطلت القنوات السياسية. وفي مرحلة تتشابك فيها قضية المحتجزين اللبنانيين، وسلاح حزب الله، والوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.. يطرح غياب ألمانيا عن تعقيدات المشهد اللبناني تساؤلات على إعتياد دور؛ سيما الاستخباراتي كرسه النجاح في تجارب ماضية. تاريخيًا، وفي مراحل مفصلية، لعب جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني BND أدوارًا مهمة، وبصورة خاصة في الاتصالات غير المباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فمنذ تسعينيات القرن الماضي ظهرت الوساطة الألمانية في بعض عمليات تبادل الرفات والمعلومات، ثم تطورت هذه القناة بصورة أوضح مع بداية الألفية الجديدة، قبل أن تبلغ مرحلة أكثر أهمية في صفقة كانون الثاني 2004، التي شملت إطلاق عدد كبير من المعتقلين مقابل إطلاق حزب الله سراح رجل الأعمال الإسرائيلي إلحانان تننباوم وتسليم رفات ثلاثة جنود إسرائيليين. والأكثر دلالة أن الأمر لم يبقَ على مستوى الاتصالات غير المباشرة؛ ففي العام نفسه، وفي سياق متابعة المفاوضات، التقى رئيس الـBND أوغست هانينغ الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في بيروت. هنا تبرز خصوصية التجربة الألمانية؛ إذ لم يكن جهاز الاستخبارات مجرد مصدر معلومات لصانع القرار، بل أصبح أداة دبلوماسية خلفية قادرة على مخاطبة طرف يصعب على الحكومات الأوروبية التعامل معه بصورة علنية ومباشرة. لتستعيد هذه القناة أهميتها بعد حرب تموز/يوليو 2006، عندما تولى ضابط الـBND غيرهارد كونراد دورًا محوريًا في صفقة تموز/يوليو 2008، التي أُعيد بموجبها رفات الجنديين الإسرائيليين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف، مقابل الإفراج عن سمير القنطار وأربعة لبنانيين وإعادة رفات عدد من القتلى. تكمن القيمة الحقيقية للتجربة الألمانية في النموذج الذي مثلته كجهاز استخباراتي يتحرك في مساحة بين العمل الأمني والسياق الدبلوماسي، معتمدًا أسلوبًا احترافيآ يقوم على تفادي إصدار الأحكام المسبقة لمواقف كلاهما، بل فهمها واختبار إمكانات التسوية، مع بناء حد ادنى من الثقة الضرورية. استنادآ لما تقدم؛ تصبح المقارنة مع المرحلة الراهنة ذات دلالة. ففي التطورات الأخيرة، أُنجز الإفراج عن خمسة لبنانيين محتجزين لدى إسرائيل ضمن تفاهم بوساطة أمريكية. ليعتبر الأمر اختراقًا في مسار التفاوض اللبناني–الإسرائيلي. عليه لم يُبن السؤال عن غياب ألمانيا في هذا الملف؛ بل في النتيجة المتواضعة للوساطة الاميركية في ظل التحالف البنيوي والاستراتيجي بين واشنطن وتل ابيب. في المقابل، تؤكد المعطيات الراهنة أن واشنطن تمسك بمركز الثقل في الملفات اللبنانية–الإسرائيلية، الأمر الذي ضيّق هامش الحركة أمام برلين، وأصبح استخدام قدراتها الاستخباراتية بالطريقة التي عُرفت بها سابقًا أكثر تحفظًا. لكن هذا لا يعني أن الدور الألماني فقد مبرراته. قد يكون من السهل تصور الوساطة الألمانية في قضية محتجزين أو تبادل أسرى، حيث يمكن الوصول إلى صيغة محددة بين طرفين. لكن الأمر يختلف جذريًا عندما يتعلق الموضوع بحرب تشنها اسرائيل وسلاح يواجه خارج قرار الدولة. فالملف ليس قضية إنسانية محددة يمكن التوصل فيها إلى صفقة، وإنما أصبح جزءًا من إعادة صياغة التوازن الأمني في لبنان والمنطقة. المعادلة المطروحة تقوم على عناصر مترابطة: حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني وقدرته على فرض سلطة الدولة. ورغم حق لبنان السيادي بخروج الاحتلال تبقى المشكلة في قراءة كل طرف هذه المعادلة من زاوية مختلفة.إذ تجد الدولة اللبنانية نفسها مطالبة بتحقيق معادلة غير مسبوقة: تقدم في ملف السلاح مع استمرارية العدوان، فيما اتفاق الإطار تجاوز القرار 1701 وآليات لجنة الميكانيزم، في ظل تداعيات القرار الأممي القاضي بإنهاء مهام قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان. هنا تبرز الحاجة لقناة استخباراتية أوروبية، إن توافرت التغطية السياسية اللازمة. إذ ان الاستخبارات لا تستطيع اجبار الاحتلال على الانسحاب ولا نزع السلاح، لكنها قادرة على المساعدة في معرفة ما يمكن أن يقبله او يرفضه كل طرف، وما الضمانات التي يمكن أن تجعل أي تسوية قابلة للحياة. وهذا تحديدًا المجال الذي يبرز فيه الدور الألماني . من جهة أخرى، برلين ليست غائبة عسكريًا أو سياسيًا بصورة كاملة. فهي ما زالت منخرطة في لبنان، كما شاركت لسنوات في قوات اليونيفيل، وامتلكت حضورًا أمنيًا وسياسيًا واضحًا في المنطقة. إذ ان امتلاك قناة اتصال وجهاز كفوء لا يعني امتلاك تفويض سياسي للمبادرة، دون تنسيق مع باقي الأطراف المعنية وفي مقدمتها الإدارة الاميركية؛ ربما لذلك، لا يرى القرار السياسي الألماني ان الظ