يستعد التونسيون لتوديع صيف قاس امتحن معدنهم إلى حد كبير. التقت عليهم جملة من المصاعب تدحرجت ككرة الثلج منذ تموز/يوليو: موجات حر شديدة وانقطاع متكرر للتيار الكهربائي وفقدان للماء المعلب من الأسواق. تداخلت المصاعب فتولدت عنها أزمة مركبة جعلتهم يشعرون كأنما هم يواجهون جائحة أو حالة طوارئ غير معلنة. الانقطاع المتكرر للكهرباء وفقدان الماء المعلب شكلا معاً نقطة فارقة في نظرة التونسيين لواقعهم. شعر الجميع من دون تمييز أن هناك أزمة تحاصرهم في الشغل والبيت والشارع. وجدت الطبقة الوسطى -أو ما تبقى منها بعد انحسارها منذ 2011- أن ليس لها أي حصانة حيال شبح ندرة المنتجات أو تعطل الخدمات الأساسية. تغيرت النظرة التي كان يحملها كثيرون من التونسيين عن أنفسهم وعن درجة تطور مجتمعهم. وتبخرت أسطورة "الاستثناء" التي كان البعض في الخارج يتنبأ به لبلادهم. لم يكن أحد يتوقع مشاهد التدافع والانتظار في طوابير طويلة للحصول على حصة من قوارير الماء المعبأة. كانت المشاهد صادمة للكثيرين أثناء ارتيادهم المحلات التجارية أو متابعتهم التدوينات والصور على المنصات الإلكترونية. وزادت التصرفات الانتهازية للمضاربين في شدّ أعصاب المواطنين. أثار فقدان المياه المعلبة من الأسواق الكثير من التساؤلات إذ كان من المفروض أن تكون طفرة الاستهلاك في الصيف متوقعة وأن يكفي المخزون التعديلي لاحتوائها. تفاقمت ظاهرة الاستهلاك المفرط للمياه المعلبة - والتي تعد من أعلى المستويات في العالم - منذ تخلي الجميع عن ماء الحنفيات بعدما ساد الانطباع أنه غير نقي بما فيه الكفاية.