يبدو أن المسار الأميركي المستجد القائم على خنق إيران اقتصادياً بدأ يصطدم بعقبات جدية، وربما أسرع مما كانت تتوقع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالعقوبات الواسعة التي تراهن عليها واشنطن لإجبار طهران على التراجع تحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى التزام دولي واسع، وهذا تحديداً ما لا يبدو متوافراً حتى الآن. الصين كانت الأكثر وضوحاً في هذا المجال، إذ أعلنت رفضها للعقوبات الأميركية الأحادية، وتمسكت باستمرار علاقاتها الاقتصادية مع إيران ضمن ما تعتبره إطاراً مشروعاً، ملوّحة بحماية مصالحها في حال تعرضت للاستهداف. وهذا الموقف ليس تفصيلاً، لأن بكين تشكل ثقلاً أساسياً في المعادلة الاقتصادية الإيرانية، وبالتالي فإن عدم التزامها الكامل بالعقوبات يضعف قدرة واشنطن على تحويل الضغط المالي إلى حصار فعلي. المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا تتوقف عند الموقف الصيني. فنجاح العقوبات الثانوية يحتاج إلى تعاون الدول والشركات والمؤسسات المالية مع واشنطن، وأي تردد في الانضمام إلى الحملة الأميركية يعني عملياً وجود ثغرات تستطيع إيران استخدامها. لذلك، من المبكر الحديث عن فشل نهائي للعقوبات، لكن من الواضح أن الطريق نحو تحقيق الأهداف الأميركية ليس سهلاً كما أرادت إدارة ترامب أن توحي. وسط هذا المشهد، برز تطوران عسكريان لافتان في المنطقة يصعب فصلهما عن المناخ السياسي العام. التطور الأول جاء من شمال العراق، حيث عادت إيران إلى استهداف مواقع تابعة للمعارضة الإيرانية الكردية في إقليم كردستان بالصواريخ والطائرات المسيّرة. أما التطور الثاني، والأكثر قابلية للتحول إلى جبهة واسعة، فهو اليمن. فالمواجهات بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تصاعدت بصورة كبيرة، بالتوازي مع هجمات حوثية على أهداف سعودية وسفن مرتبطة بالسعودية. هنا تحديداً تصبح الصورة الإقليمية أكثر إثارة للاهتمام. فمن غير الضروري أن تكون كل هذه التحركات قد صدرت بقرار مركزي واحد من طهران، لكن تزامنها مع محاولة واشنطن تشديد الخناق الاقتصادي على إيران يعطيها دلالة سياسية واضحة. إيران تريد، على ما يبدو، أن تقول إن الضغط عليها لن يبقى محصوراً داخل حدودها، وإن لديها خيارات متعددة لرفع تكلفة المواجهة. وعليه، يمكن قراءة المرحلة الحالية باعتبارها انتقالاً تدريجياً من اختبار الورقة الاقتصادية إلى إعادة اختبار أوراق القوة العسكرية مجددا تكون المبادرة فيها لايران. فإذا عجزت الولايات المتحدة عن بناء جبهة دولية متماسكة تخنق الاقتصاد الإيراني، فإن طهران ستشعر بأن لديها هامشاً أكبر للمناورة، وقد تصبح أكثر استعداداً لاستخدام التصعيد الإقليمي كورقة تفاوض وضغط. هذا لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ، لكن المؤشرات العسكرية المتزامنة تقول إن احتمالات التصعيد ترتفع. فبعدما لوّحت واشنطن بخنق إيران اقتصادياً، بدأت طهران وحلفاؤها يذكّرون خصومهم بأن المعركة ليست اقتصادية فقط، وأن البديل عن التسوية قد يكون عودة المنطقة بأكملها إلى لغة الصواريخ والمسيّرات والجبهات المفتوحة.