الحضانة قبل المدرسة ضرورة أم خيار؟ أهمية دعم قدرات الطفل لاكتساب المعرفة قبل بلوغه سن السادسة يعتبر بعض الأهل في لبنان الحضانة مرحلة ضرورية لتأسيس الطفل قبل دخوله المدرسة، فيما يفضّل آخرون إبقاءه تحت جناحهم في السنوات الأولى. لكن دولا كثيرة كرّست في نظامها التعليمي ضرورة ارتياد الأطفال الحضانة في السنوات التي تسبق المدرسة. فهل تهيّئ الحضانة الطفل حقًا للاندماج في الحياة المدرسية؟ وكيف يمكن أن تؤثر في نموّه؟ أدخلت الدول الأوروبية الحضانة في نظامها التعليمي، حيث أصبح ارتيادها في الربيع الثاني مرحلة إلزامية في حياة الطفل قبل دخوله المدرسة، واعتبرتها كندا مرحلة منفصلة عن المدرسة لغاية بلوغ الطفل عامه السادس. أمّا في بلدان أخرى، فنُظر إليها كمرحلة اختيارية، لأن إدخال الطفل إلى المدرسة ليس إلزاميًا عندها قبل عامه السادس، حتى يقضي تلك السنين إلى جانب والدته. انطلاقًا من ذلك، ترى نضال بركات، الخبيرة في مجال الطفولة المبكرة والمتخصصة في القيادة والتربية الخاصة، الحضانة مرحلة ضرورية جدًّا، خصوصًا عندما يصبح الطفل بحاجة إلى انفتاح وإلى اختبار الحياة الاجتماعية، كونه يتعلم من خلال التفاعل مع الأطفال الآخرين واللعب معهم واكتشاف العالم الخارجي والداخلي الذي تؤمنه الحضانة. وترى الخبيرة بركات أن أي مؤسسة تربوية أو مهنية معرّضة لسوء إدارة وتعنيف، لأنها ترتكز على العلاقات البشرية، ما يؤثر في قرار الأهل على صعيد تسجيل أطفالهم في الحضانة، "لذلك من الضروري تأسيس توعية اجتماعية ووطنية وأهلية في هذا الإطار، والتأكيد على ضرورة أن يكون مؤسس الدور مؤهلا لإدارة صرح تربوي، فنتمكّن من ضبط العنف الجسدي واللفظي والمعنوي والنفسي". وعن التوقيت المناسب لوضع الطفل في الحضانة، تقول: "عندما يصبح في عامه الثاني، تولد لديه حاجة ماسّة إلى التواصل مع أطفال آخرين والتفاعل معهم، عندئذ تصبح الحضانة ضرورية. أمّا قبل ذلك، فيبقى القرار اختياريًا بحسب ما إذا كانت الأم عاملة أم لا، حيث ساد مفهوم في الماضي بأنها الخيار الأفضل، بدلا من أن يبقى الولد تحت إشراف المساعدة المنزلية، فيما توفّر له الحضانة بيئة سليمة ونظيفة بمرافقة مربّية وممرّضة ومعلّمة، تعمل كل منها على تطويره نفسيًا وجسديًا". وعن كيفية اختيار الحضانة الأفضل، تجيب: "يجب الاطلاع على شروط الحضانة وكيفية تأسيسها، إلى جانب توعية رسمية من قبل الجهات المختصة ومن المجتمع المحيط بالطفل، بدءًا من طبيبه. إضافة إلى التأكد من سلامة البناء وأمانه، وما إذا كان الفريق الراعي للطفل مؤلفًا من ممرّضة ومعلّمة ومربّية وذوي الاختصاص، ما يساهم في مواكبته على الصعد كافة. برأيي، البيئة السليمة والنظافة والعلم هي المعايير الأساسية في اختيار الحضانة الأمثل، إضافة إلى احترافية المسؤول عن إدارتها". وتشدد الخبيرة بركات على أهمية دعم قدرات الطفل على الاكتشاف واكتساب المعرفة قبل بلوغه سن السادسة، "فكل طفل ذكي بالفطرة، إنما يجب أن تتوافر بيئة حاضنة ليكتسب مهارة الاكتشاف أولا ومهارة المعرفة، ليتمكّن من تطبيق المعلومات المكتسبة في حياته وكيفية استخدامها". من هنا، برأي بركات، نلحظ الفارق ما بين طفل ارتاد الحضانة قبل المدرسة وآخر لا، "فمن اعتاد على برنامج الحضانة التحضيري للدراسة، ليس أذكى من الآخرين، لكنّ دماغه قد تمرّن على استقبال المعلومات أكثر، بفضل النشاطات التي عوّدته على تمييز حقوقه وكيفية اتخاذ قراراته والاتكال على نفسه والتأقلم مع المجموعة، فاكتسب سهولة وانسيابية في استقبال المعلومات أكثر من غيره". فضلا عن أن الطفل الذي يترك حضن أمه ومنزله للذهاب إلى الحضانة قد حقق الانفصال الحقيقي الأول، واكتشف استقلاليته، لتبدأ مرحلة اختلاطه بمجتمعه الصغير، وبعدها بمجتمعه الأكبر، أي المدرسة، وصولا إلى المجتمع الأكبر، أي الحياة. وعمّا إذا كانت الحضانة تكشف الصعوبات التعلّمية الأولى عند الطفل، تقول: "صحيح أن الصعوبات التعلّمية قد تُكتشف في مرحلة الحضانة، خصوصًا أن ثمة فريقًا اختصاصيًا يواكب الأطفال، إنما يقتصر دوره على لفت نظر الأهل وتوجيههم نحو الاختصاصي المناسب لتحديد نوع الصعوبة، من دون التدخل مباشرة في مسار العلاج". وعلى الرغم من اعتبارها الأنشطة المنزلية ليست بديلا من الأنشطة في الحضانة، تشير إلى أنهما متكاملان، إذ إن الأم تؤمن للطفل أجواء التسلية المفعمة بالعاطفة والاهتمام، ولكن ذلك مختلف جدًا عن أجواء المهارات التي يكتسبها مع أصدقائه ومعلمته في الحضانة. وتشدد في النهاية على أهمية البيت، كونه الأساس في حياة الطفل، حيث يكتسب العاطفة والحنان والثقة بالنفس، لتأتي بعده مرحلة الحضانة لاستكمال مهامه، فيتعاونان معًا لبناء طفل سليم عاطفيًا ونفسيًا ومعنويًا، لأن المشكلات التي يعاني منها الأطفال حاليًا، برأيها، ليست بسبب الحضانة أو المدرسة، بل بسبب