هل نحن أمام ولادة دولة فعلية أم أمام محاولة جديدة لإدارة الأزمة؟ المشهد قبل أيام في تلة علي الطاهر (رويترز) قد يبدو السؤال سياسيًا، لكنه في الحقيقة يتجاوز السياسة إلى جوهر وجود لبنان نفسه. فبعد سنوات طويلة من الحروب والتسويات والانهيارات والأزمات المفتوحة، لم يعد اللبناني يسأل كيف يمنع الانفجار المقبل، بل أصبح يسأل سؤالا أكثر خطورة: هل نريد فعلا الخروج من منطق الأزمة، أم أننا اعتدنا عليها حتى أصبح أقصى طموحنا أن نتقن إدارتها؟ لبنان اليوم أمام لحظة مختلفة. وما يجري في الجنوب ليس مجرد تطوّر أمني عابر، ولا المفاوضات مجرد اتصالات دبلوماسية، ولا انتشار الجيش مجرد إجراء ميداني. الجنوب أصبح المكان الذي تُختبر فيه الدولة اللبنانية: من يحمي الحدود؟ من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بمصير لبنان؟ هنا تكمن أهمية المرحلة. فحين ينتشر الجيش في الجنوب، يجب ألا يكون ذلك مجرد انتشار أمني، بل تعبيرًا عن قرار سياسي واضح بأن الدولة عائدة إلى أرضها. وحين تدخل الدولة في مفاوضات حول الحدود والأمن والانسحاب، يجب أن تدخل بصفتها صاحبة السيادة والقرار، لا بصفتها طرفًا إضافيًا في نزاع تتعدد فيه مراكز القوة. فالدولة لا يمكن أن تكون نصف دولة، والسيادة لا يمكن أن تكون بالتقسيط. السيادة ليست كلمة في بيان وزاري، ولا صورة لعلم لبناني على الحدود. السيادة هي أن تعرف الدولة متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، وأن يكون قرار السلم والحرب في يد مؤسساتها، وأن يكون السلاح الشرعي تحت إمرة جيشها، وأن تكون حدودها وأمنها وسياساتها الخارجية من اختصاصها وحدها. من هنا يصبح النقاش حول سلاح "حزب الله" أكبر من مسألة السلاح نفسها. القضية الجوهرية هي: من يملك القرار عندما يصبح لبنان أمام خطر الحرب؟ إذا كانت الدولة هي المرجعية، فلا يمكن أن يكون هناك قراران. وإذا كان الجيش هو المؤسسة العسكرية الشرعية، فلا يمكن أن تكون هناك قوة عسكرية موازية تمتلك قرارًا مستقلا. هذه ليست معركة ضد طائفة أو جمهور لبناني. إنها معركة من أجل تعريف واحد للدولة: لقد دفع لبنان ثمنًا باهظًا نتيجة ازدواجية القرار حروب، احتلالات، اغتيالات، انهيار اقتصادي، هجرة ودمار. وبعد كل ذلك، هل المطلوب أن نعيد إنتاج الصيغة نفسها تحت عنوان جديد؟ كلا... لبنان لا يحتاج إلى مدير أزمة جديد. لبنان يحتاج إلى نهاية الأزمة. لكن إنهاء الأزمة لا يعني تجاهل المخاطر أو التسليم بشروط الآخرين. على العكس، الدولة القوية هي التي تستطيع أن تفاوض من موقع القوة، وتحمي حدودها، وتطالب بانسحاب أي قوة أجنبية من أراضيها، وتدافع عن مصالحها من خلال مؤسساتها الشرعية. فالجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة مطلوب منها الانتشار في الجنوب. إنه العمود الفقري لأي مشروع لاستعادة الدولة، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلا عنها. الجيش ذراع الدولة… وليس الدولة نفسها. لذلك، فإن المطلوب ليس فقط القول إن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة، بل إعطاؤه القرار السياسي والإمكانات والغطاء القانوني لكي يقوم بالمهمة التي نطلبها منه. لا يجوز أن نضع الجيش في الواجهة ثم نترك القرار السياسي خلف الستار. أما الجنوب، فهو أمام اختبار تاريخي. المطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار أو الوصول إلى تفاهم موقت، بل تحويل الهدوء إلى استقرار، والاستقرار إلى سلام، والسلام إلى مسار يسمح للدولة باستعادة كامل دورها. المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية يجب أن تكون جزءًا من مشروع أكبر، لا مجرد عملية لإطفاء حريق جديد. وإذا نجح لبنان في تحويلها إلى مسار يثبت حقوقه، ويؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ويعزز انتشار الجيش، ويمنع العودة إلى منطق الجبهات المفتوحة، فسيكون أمام خطوة تاريخية. أما إذا بقيت المفاوضات مجرد هدنة مؤجلة، فيما تستمر الأسباب التي تنتج الحرب نفسها، فنحن لم نصنع السلام، بل أدرنا الأزمة لفترة إضافية. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون واضحًا أن إسرائيل لا تستطيع أن تكون صاحبة القرار الأمني في لبنان، كما أن أي قوة لبنانية خارج الدولة لا تستطيع أن تكون صاحبة القرار العسكري فيه. لبنان يحتاج إلى استعادة قراره من الجميع: من الخارج والداخل فالسيادة الحقيقية لا تختار خصمًا واحدًا. السيادة مبدأ، وإما أن تكون كاملة أو لا تكون. وفي ظل إعادة تشكيل المنطقة، وتداخل المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يتحول مرة جديدة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. لا نريد أن يكون لبنان جبهة لأحد، ولا ورقة لأحد، ولا رسالة يوجهها أحد إلى أحد. نريد أن يكون لبنان دولة. وهذه ليست مهمة واشنطن، ولا باريس، ولا روما، ولا الأمم المتحدة. يمكن للخارج أن يساعد ويضغط ويتوسط، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة اللبنانية بدلا من اللبنانيين. الدولة لا تُستورد،