لبنان: بين وحدة الدستور وإشكالية قانون الانتخاب: نحو لا مركزية إدارية لا تجزئة 9 أيلول 2026 · 01:07 ص 4 دقائق قراءة حجم الخط د. حسين محمود رمال* الدولة في معناها الدستوري الكلاسيكي ليست مجرد سلطة تمارس، بل إرادة جامعة تجسّد السيادة، وتؤسس للمواطنة، وتوحّد الأراضي، وتكفل الحقوق وتقابلها بالواجبات. غير أن ما جرى في لبنان يمثل نقضاً لهذه المعاني، إذ يتخذ من نصوص الدستور ذريعة لإعادة إنتاج نظام إقطاعي. فلبنان الذي يضم دستوراً صالحاً لتأسيس دولة مدنية، خاصة أن اتفاق الطائف قد وضع مرتكزات منهجية لهدم الاهتزاز الداخلي في فقراته ب، ط، ي، يبقى رهيناً بقوانين انتخابية تفكك الدولة من الداخل تحت شعار الوحدة الوطنية الزائف. الدستور اللبناني بتعديلات الطائف يشكّل وثيقة تضمن حق الطوائف في ممارسة معتقداتها، وتقرّ في الآن ذاته دولة مركزية موحّدة، وتجسّد مبدأ لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه. الفقرات ب، ط، ي هي أدوات بنيوية لإلغاء الطائفية السياسية وتوسيع المشاركة وتفعيل اللامركزية الإدارية الموسّعة. لكن الدستور يظل ورقة في مواجهة واقع مؤسساتي منفلت، إذ تعاد إنتاج الطوائف والنفوذ عبر بوابة الانتخابات التي يفترض أنها نبض الديمقراطية، لكنها أصبحت منفذاً لتكريس المجزأة وتثبيت التسلط. المعضلة الجوهرية هي عدم قيام دولة بالمعنى القانوني، أي ذلك الكيان الذي يؤمن لكل ذي حق حقه، ويتساوى فيه الجميع، ويطبق القانون على الفرد والجماعة والأمراء على حد سواء. هذا المعنى ظل غائباً، ليس لغياب النصوص، بل لأن أصحاب النفوذ اختاروا بناء دولة مجزأة، يُمثلون هم المركز، بينما الآخرون أطراف توزع عليهم حصص في الغنائم، ويحتكرون قرار الحرب والسلم والمال والجيش والعدل والإعلام. تقاس الشرعية بالمشاركة في التقسيم، لا بالقدرة على الحكم وحماية المواطن. وهنا يبرز التناقض بين السيادة النظرية والسيادة الفعلية. قانون الانتخاب في لبنان ليس أداة لتجسيد الإرادة الشعبية، بل سلاح في يد الأمراء لتقطيع الوطن إلى دوائر انتخابية كإقطاعات، حيث ينتخب النائب لأنه حامي الطائفة لا لأنه ممثل الأمة. المطلوب ليس تعديلاً جزئياً، بل قانون انتخابي شامل جامع مانع يحدث قطيعة مع المنطق الطائفي، ويعيد تعريف الانتخاب كعملية وطنية خالصة، معيارها الكفاءة والبرنامج السياسي. فالأمة في مفهومها السياسي تستدعي تمثيلاً عقلانياً لا ديمغوجيا. القانون الجامع المانع يقتضي أن تكون الدائرة الانتخابية هي لبنان كله، لا قرية أو قضاء أو محافظة. فالقاعدة الدستورية التي تقول إن لبنان وطن لكل أبنائه تستلزم أن ينتخب المواطن من يشاء في أي بقعة. حين يصبح الانتخاب عاماً على صعيد الوطن، يزول العبث الذي يكرس الزعامات المحلية، وينسحب المبدأ على كل لبنان، فلا يبقى مواطن محصوراً في قفص طائفته، بل يصبح حراً في اختيار ممثله، وهذا جوهر الديمقراطية الحديثة. السيادة الانتخابية فردية لا جماعية، والمواطنة هي الأساس لا الانتماء الطائفي. القانون الذي تستحقه البلاد يحدد معايير علمية للترشح، فلا يترك الباب مفتوحاً لكل من يتوفر له المال أو النفوذ، بل يكون الترشح مقروناً بشروط في الكفاءة والنزاهة والخبرة والبرنامج المعلن. يُرفض مبدأ الكوتا لأنه يكرّس التقسيم، ويحوّل المرأة أو الرجل إلى أصناف، فلا يتقدمون كنساء ورجال، بل كمواطنين يملكون رؤية، فيفوز من يثبت جدارته. العبرة بالكفاءة لا بالهوية، وبالجوهر لا بالعرض. التمثيل النيابي يجب أن يقوم على البرنامج لا على التبعية العمياء. المراقب الحقيقي هو من يؤدي وظيفته التشريعية والرقابية على أسس وطنية، بعيداً عن الولاءات الإقطاعية. تحرير الانتخابات يعني تحرير النيابة من قيود المال والنفوذ والعصبية، وإخضاع النائب لرقابة شعبية حقيقية، لا لرقابة زعيمه. فالنائب في الدولة المدنية يمثل الأمة، لا الطائفة، ومسؤوليته أخلاقية وقانونية أمام الشعب لا أمام الأمراء. هذه هي مقومات الشرعية العضوية التي تؤسس لدولة القانون. وعليه، لا خلاص للبنان من نفق التقسيم ما لم يُحدث قطيعة دستورية مع قانون المحاصصة، وما لم يُشرع لقانون انتخابي جامع ينسف الطائفية السياسية، ويعيد تعريف المواطن كصاحب سيادة انتخابية على كامل التراب، وفق معايير علمية للترشح لا هوادة فيها. بدون ذلك، يبقى الدستور نصاً يتلى، والنفوذ هو القانون غير المكتوب. فإما قانون يحقق الدولة المدنية، وإما استمرار الانحدار. هذا الخيار مسألة وجود، ومن لا يدرك ذلك لا يدرك معنى الدولة، ولا يستحق أن يكون في موقع يقرر مصيرها. فالدولة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة والكرامة، وسقوطها يعني سقوط الإنسان اللبناني قبل أي شيء. والدولة هي الأم الحقيقي لشعب في إقليم، والأم هي التي تعلّم وتربّي والأم اللبنانية لطالما كانت وما زالت شامخة شموخ الأرز وصخرة كصخرة جبل عامل تت